في ظل تصاعد التوترات بشكل خطير في منطقة الشرق الأوسط والمخاوف المتزايدة من اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، برز الموقف الروسي اليوم (الخميس) كصوت يدعو إلى التهدئة. فقد دعت موسكو كافة الأطراف المعنية، وعلى رأسها طهران وواشنطن، إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى المسار الدبلوماسي كسبيل وحيد لحل النزاعات القائمة.
وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، للصحفيين قائلاً: «تواصل روسيا تطوير علاقاتها مع إيران، ومن خلال ذلك، نحث أصدقاءنا الإيرانيين وجميع الأطراف في المنطقة على ممارسة ضبط النفس والحذر». وأضاف بيسكوف، مشدداً على موقف بلاده المبدئي: «ندعوهم إلى اعتماد الوسائل السياسية والدبلوماسية كأولوية مطلقة في حل أي قضية».
سياق تاريخي من التوتر المتصاعد
تأتي هذه الدعوة في سياق أزمة ممتدة ومعقدة بين واشنطن وطهران، تعود جذورها إلى عقود طويلة ولكنها تفاقمت بشكل حاد بعد قرار الإدارة الأمريكية السابقة في عام 2018 بالانسحاب من جانب واحد من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) المبرمة عام 2015. تبع هذا الانسحاب فرض حملة «ضغوط قصوى» من العقوبات الاقتصادية التي شلت قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني. ورداً على ذلك، بدأت إيران في تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، مما أثار قلق القوى الدولية وأدى إلى سلسلة من الحوادث الأمنية في مياه الخليج ومناطق أخرى في الشرق الأوسط.
أهمية الحدث وتأثيره المحتمل
إن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تقتصر تداعياتها على البلدين، بل من شأنها أن تشعل حريقاً هائلاً في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. يمر عبر مضيق هرمز، الذي تطل عليه إيران، جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وأي تعطيل للملاحة فيه سيؤدي إلى صدمة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية واضطراب اقتصادي دولي. على الصعيد الإقليمي، قد يمتد الصراع ليشمل حلفاء واشنطن في المنطقة وشبكة وكلاء إيران، مما يهدد بزعزعة استقرار دول متعددة من العراق إلى لبنان واليمن. وتكمن أهمية الموقف الروسي في محاولته منع هذا السيناريو الكارثي، الذي يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية في الحفاظ على الاستقرار في جوارها الجنوبي وتأمين نفوذها كقوة فاعلة في الساحة الدولية.
مناورات عسكرية وحشد للقوات
في خضم هذه الدعوات الدبلوماسية، تستمر التحركات العسكرية على الأرض. فقد أكد بيسكوف وجود «تصعيد غير مسبوق للتوتر» حول إيران، مشيراً إلى نقل الولايات المتحدة أصولاً عسكرية إلى الشرق الأوسط. وفي المقابل، أوضح أن التدريبات البحرية المشتركة بين روسيا وإيران، التي جرت في خليج عمان هذا الأسبوع، كان مخططاً لها منذ وقت طويل ولا ترتبط بالتوتر الحالي، إلا أنها تحمل دلالات رمزية حول عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. يأتي ذلك في وقت تنشر فيه واشنطن سفناً حربية وتعزيزات إضافية، بما في ذلك اقتراب وصول حاملة الطائرات الثانية «جيرالد فورد» إلى المنطقة، مما يرفع من حالة التأهب إلى أقصى مستوياتها.


