spot_img

ذات صلة

مسجد الحنفي بجدة: تاريخ عريق وتراث معماري فريد

تقف جدة التاريخية، المعروفة بـ “البلد” والمدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، شاهدة على قرون من الزمن، وتنبض حاراتها وأزقتها بعبق الماضي. ومن بين كنوزها المعمارية والتاريخية، يبرز مسجد الحنفي كأحد أبرز المعالم التي تروي حكايات المدينة العريقة، حيث يتجاوز عمره قرنًا من الزمان، ويحتل مكانة خاصة في قلوب سكانها وزوارها.

يقع المسجد في قلب المنطقة التاريخية، وتحديداً في حارة الشام بسوق الندى، مطلاً بواجهته الشرقية على شارع الذهب. وقد شُيّد هذا الصرح الديني في عام 1320 هـ، وهو تاريخ موثق بالنقش الحجري على مدخله. ومنذ تأسيسه، مر المسجد بمراحل تجديد متعددة على أيدي أمهر المهندسين، مما حافظ على رونقه وأصالته عبر السنين، ليظل منارة دينية ومركزاً اجتماعياً حيوياً في المنطقة.

أهمية تاريخية ارتبطت بالملك المؤسس

يكتسب مسجد الحنفي أهميته التاريخية الكبرى من ارتباطه الوثيق بالملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله. فبعد دخوله جدة عام 1925م وإقامته في بيت نصيف الشهير، اختار الملك عبدالعزيز هذا المسجد ليؤدي فيه صلاة الجمعة. كان الوصول إلى المسجد يتم عبر مصلى خاص في بيت باناجة المجاور، والذي كان متصلاً بالمسجد عبر نوافذ مفتوحة، مما يجسد العلاقة العميقة بين القيادة والمجتمع في تلك الفترة التأسيسية الهامة من تاريخ المملكة العربية السعودية.

تحفة معمارية على الطراز الحجازي العثماني

يُعد مسجد الحنفي نموذجاً فريداً للعمارة الإسلامية التي سادت في الحجاز. يتميز المسجد بنقوشه ذات الطابع العثماني التي تزين كل ركن من أركانه، وسقوفه الخشبية البديعة وقناديله المعدنية التي تذكرنا بتصميم المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة. وقد تم استخدام أنواع مختلفة من الأخشاب الفاخرة في تزيين داخله، مما يضفي عليه جواً من السكينة والجمال.

كما يشتهر المسجد بمئذنته الوحيدة المبنية من الحجر، والتي تأخذ الشكل المثمّن، وهو تصميم سائد في مساجد جدة القديمة. وتقع المئذنة، كغيرها من مساجد البلد، في الركن الجنوبي الغربي، وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام مزينة بنقوش دقيقة تبرز مهارة الحرفيين في تلك الحقبة.

مركز حيوي للمصلين والزوار

بفضل مساحته الواسعة التي تتسع لنحو 2000 مصلٍ، يُعتبر مسجد الحنفي من أكبر مساجد المنطقة التاريخية. وتزداد أهميته خلال شهر رمضان المبارك، حيث يقصده سكان المنطقة وزوارها لأداء صلاة التراويح، مستمتعين بأجوائه الروحانية العريقة. ويسهل موقعه الاستراتيجي الوصول إليه، حيث تحيط به ثلاثة أبواب رئيسية تصله بالجهة الشرقية وشارع قابل وسوق الندى، مما يجعله نقطة التقاء حيوية في قلب جدة التاريخية.

spot_imgspot_img