spot_img

ذات صلة

مستقبل اللغة العربية: هل يضمن حفظ القرآن بقاءها؟

مقدمة: اللغة العربية كائن حي يواجه تحديات العصر

طرح الباحث المعرفي مجاهد عبدالمتعالي تساؤلاً جوهرياً حول مستقبل اللغة العربية، ليس من منظور عاطفي، بل من رؤية تحليلية تعتبر اللغة كائناً حياً يزدهر بالاستخدام والتداول الحضاري، ويذوي حين ينحصر دوره في الفلكلور والتراث. يرى عبدالمتعالي أن النقاش حول بقاء اللغة العربية يجب أن يتجاوز الشعارات الرنانة ليتعمق في فهم طبيعتها المتغيرة وتحدياتها الراهنة.

السياق التاريخي: من العصر الذهبي إلى واقع المجامع اللغوية

لفهم هذا الطرح، لا بد من العودة إلى العصر الذهبي للغة العربية، وتحديداً في العصر العباسي. في تلك الحقبة، لم تكن العربية لغة دين وأدب فحسب، بل كانت لغة العلم والفلسفة والتجارة العالمية. كانت لغة قوية وواثقة، استوعبت مفردات من الفارسية واليونانية والسريانية، وأعادت إنتاجها ضمن نسيجها اللغوي، كما ابتكرت مصطلحاتها الحضارية الخاصة. هذا الانفتاح والتفاعل هو ما وصفه عبدالمتعالي بـ “الأهلية الحضارية” في الأخذ والعطاء. في المقابل، يرى أن الوضع الحالي، الذي تمثله أحياناً المجامع اللغوية، يعكس حالة من “نقص الأهلية”، حيث تتحول جهود الحفاظ على اللغة إلى محاولات لتعقيمها وفرض مصطلحات منقورة مثل “رائي” بدلاً من “تلفزيون”، وهو ما يتجاهل حقيقة أن الاستخدام والتداول الشعبي هو الحكم النهائي في حياة المفردات.

إشكالية الربط بين حفظ القرآن وبقاء اللغة

أثار صاحب كتاب “حجامة العقل” نقطة محورية تنتقد الربط المباشر وغير المشروط بين وعد الله بحفظ القرآن الكريم، وبين ضمان بقاء اللغة العربية بكل قاموسها الممتد. وأوضح أن هذا الربط هو “اتكاء على تأويلات المتواكلين”. فالله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ “الذكر”، أي الرسالة والمنهج، وهذا لا يعني تجميد اللغة التي نزل بها عند لحظة تاريخية معينة. الدليل على ذلك هو عمل عمالقة اللغة الأوائل، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب “العين”، وابن منظور في “لسان العرب” الذي تجاوز 14 مجلداً. هؤلاء العلماء لم يحصروا جهدهم في ألفاظ القرآن، بل جمعوا لغة العرب من شعرهم ونثرهم وأمثالهم، مدركين أن قاموس اللغة أوسع بكثير من المفردات الواردة في المصحف الشريف. فجهد محمد فؤاد عبدالباقي في “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم” جليل، لكنه يوضح الفرق بين مفردات النص المقدس وسعة القاموس العربي.

التأثير المتوقع ومخاطر الانقراض

يجيب عبدالمتعالي بـ”نعم” على سؤال إمكانية انقراض اللغة، مشيراً إلى أن 1.5 مليار مسلم ليسوا جميعاً ناطقين بالعربية كلغة أم. فجزء كبير منهم يرددها في العبادات دون فهم كامل، كما يحدث في بعض الكنائس مع اللغة اللاتينية القديمة. هذا يحولها لدى شريحة واسعة إلى لغة طقوسية لا لغة حياة. الخطر الأكبر، حسب رأيه، يكمن في “المبالغة في تعقيم اللغة” وجعلها لغة معقدة ومقعرة، منفصلة عن واقع الناس. وهو لا يدعو هنا إلى التساهل والتفريط بدعوى الحداثة، بل يؤكد على ما تعلمه من كبار رموز الحداثة العربية أنفسهم، الذين شددوا على ضرورة التضلع في التراث اللغوي والأدبي قبل الانخراط في الفكر العالمي. إن عجز الكثيرين اليوم عن فهم شعر المعري أو المتنبي دون شروحات، هو دليل على الفجوة الزمنية واللغوية التي حدثت، وهو ما يمثل ديالكتيكاً طبيعياً بين القديم الذي يُشرح والجديد الذي يُبتكر. فإصرار التقليديين على التشبث بالقديم المندرس، وإصرار الحداثيين على إبداع الجديد، يطرح تحدياً حول كيفية بناء جسر يضمن للغة استمراريتها كأداة حية للفكر والإبداع.

spot_imgspot_img