يُعد يوم التأسيس مناسبة وطنية تحتفي بالجذور التاريخية العميقة للمملكة العربية السعودية، وتعود بنا إلى لحظة فارقة في تاريخ الجزيرة العربية. في 22 فبراير من كل عام، يستذكر السعوديون بكل فخر واعتزاز تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ (1727م)، معلنًا من عاصمته الدرعية بداية عهد جديد من الوحدة والاستقرار لم تشهده المنطقة منذ قرون.
السياق التاريخي وبداية الحكاية
قبل تأسيس الدولة السعودية الأولى، كانت شبه الجزيرة العربية تعيش حالة من التشتت السياسي والاجتماعي. كانت المنطقة مقسمة إلى إمارات صغيرة وكيانات قبلية متناحرة، تفتقر إلى سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وتحقيق الاستقرار. في خضم هذا الواقع، بزغ فجر الدولة الجديدة في الدرعية كمشروع وحدوي طموح، هدف إلى لم الشمل وإنهاء قرون من الفرقة، وتقديم نموذج فريد للدولة القائمة على مبادئ واضحة وأسس متينة، مما غيّر المشهد السياسي في المنطقة بأكملها.
ميثاق الدرعية: تحالف تاريخي غيّر المسار
لم يكن تأسيس الدولة مجرد حدث سياسي عابر، بل كان نتاج تحالف تاريخي بين الإمام محمد بن سعود، الذي تمتع بحكمة سياسية ورؤية قيادية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي قاد دعوة إصلاحية. شكّل هذا الميثاق، الذي عُرف بـ”ميثاق الدرعية”، الأساس الذي قامت عليه الدولة، حيث جمع بين القوة السياسية والعقيدة الراسخة. وسرعان ما تحولت الدرعية إلى منارة حضارية وعاصمة مزدهرة، استقطبت العلماء والتجار، ونشطت فيها الحركة العلمية والاقتصادية، وأصبحت مركزًا سياسيًا واقتصاديًا مؤثرًا في المنطقة.
مسيرة ممتدة من التأسيس إلى التوحيد
على الرغم من التحديات الجسيمة التي واجهتها الدولة السعودية الأولى وأدت إلى نهايتها، إلا أن فكرة الدولة الموحدة وجذورها الراسخة لم تمت. فقد نهضت من جديد مع قيام الدولة السعودية الثانية، لتكتمل مسيرة البناء والتوحيد على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي استطاع بحنكته وشجاعته توحيد أرجاء البلاد وإعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1932م. وبهذا، يمثل يوم التأسيس الحلقة الأولى في سلسلة ممتدة من الكفاح والبناء، والتي أثمرت عن وطن شامخ ومستقر.
الأهمية والتأثير: من المحلية إلى العالمية
يأتي الاحتفاء بيوم التأسيس، الذي أُقر بأمر ملكي كريم عام 2022، ليربط الأجيال الحاضرة بماضيهم العريق، ويعزز لديهم الشعور بالانتماء والولاء. على الصعيد المحلي، يمثل هذا اليوم فرصة لإبراز العمق التاريخي للدولة الذي يمتد لثلاثة قرون، وتسليط الضوء على الإرث الثقافي والاجتماعي الذي شكّل الهوية السعودية. أما إقليميًا، فيؤكد الاحتفال على أن استقرار المنطقة ارتبط تاريخيًا بوجود دولة قوية وموحدة في قلب الجزيرة العربية. كما يحمل شعار يوم التأسيس دلالات عميقة؛ فالخيل العربي يرمز للفروسية والأصالة، والصقر للقوة والعزة، والنخلة للعطاء والنماء، وهي قيم متجذرة في تاريخ وثقافة أبناء هذا الوطن.
في الختام، لا يُعد يوم التأسيس مجرد احتفال بتاريخ مضى، بل هو تجديد للعهد واستلهام للدروس من مسيرة وطن وُلد من رحم التحديات، وقام على أُسس من الوحدة والعزيمة. إنه يوم للنظر إلى الماضي بفخر، والعمل في الحاضر بجد، والتطلع إلى المستقبل بأمل وثقة، استكمالًا لمسيرة بناء بدأت قبل ثلاثة قرون ولا تزال مستمرة نحو المزيد من التقدم والازدهار.


