في قلب مدينة جدة النابض بالحياة، وعلى ضفاف البحر الأحمر، تقف حلبة كورنيش جدة كشاهد على طموح المملكة العربية السعودية المتجدد، حيث تجمع بين إثارة سباقات فورمولا 1 العالمية والتزام راسخ بالاستدامة البيئية. لم تكن هذه الحلبة مجرد إضافة جديدة إلى روزنامة الفورمولا 1، بل هي تجسيد حي لأهداف رؤية 2030، التي تسعى إلى تحويل الرياضة إلى رافد اقتصادي مهم وصناعة للأبطال، مع وضع المملكة في مصاف الدول الرائدة في استضافة الفعاليات العالمية الكبرى.
خلفية تاريخية وسياق رؤية 2030
جاء إنشاء حلبة كورنيش جدة في عام 2021 ضمن سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة. فمع إطلاق رؤية 2030، بدأت السعودية رحلة طموحة لتنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط، وكان قطاعا الرياضة والسياحة في صميم هذه الاستراتيجية. استضافة سباق الجائزة الكبرى السعودي للفورمولا 1 لم يكن مجرد حدث رياضي، بل رسالة للعالم بأن المملكة تفتح أبوابها للثقافات والفعاليات الدولية. إنجاز بناء الحلبة في زمن قياسي لم يتجاوز ثمانية أشهر عكس الإرادة والقدرة على تحقيق المشاريع الضخمة، حيث استوفت جميع المعايير الصارمة التي يفرضها الاتحاد الدولي للسيارات (FIA).
تصميم فريد وتحديات للسائقين
تتميز حلبة كورنيش جدة بكونها أسرع وأطول حلبة شوارع في تاريخ الفورمولا 1، حيث يبلغ طولها 6,176 مترًا. يضم مسارها 27 منعطفًا (16 إلى اليسار و11 إلى اليمين)، معظمها منعطفات عالية السرعة، مما يجعلها اختبارًا حقيقيًا لمهارات السائقين وشجاعتهم. تتيح هذه المنعطفات الطويلة للسيارات الوصول إلى متوسط سرعات يصل إلى 252.8 كم/ساعة، مع سرعة قصوى تتجاوز 322 كم/ساعة. ولزيادة الإثارة والمنافسة، تم تخصيص ثلاث مناطق لتفعيل نظام تقليل السحب (DRS)، مما يمنح السائقين فرصًا أكبر للتجاوز ويضمن سباقات مشوقة للجماهير حول العالم.
ريادة في الاستدامة والطاقة النظيفة
لم يقتصر التميز في حلبة جدة على الجانب الرياضي والهندسي، بل امتد ليشمل تبني حلول مبتكرة لمواجهة التحديات البيئية وتحقيق الاستدامة. في خطوة رائدة، تم الاعتماد على الطاقة الشمسية لتزويد الحلبة بجزء كبير من احتياجاتها الكهربائية، وذلك عبر تركيب 86 لوحًا شمسيًا أسهمت في توفير 82.7% من إجمالي الاستهلاك. كما تم استبدال تقنيات الإضاءة التقليدية بمصابيح LED الموفرة للطاقة، والتي يمكن التحكم في شدتها، مما قلل الطلب على المولدات بنسبة 19% ووفر ما يقارب ألف لتر من الديزل. حتى كبائن المراقبين (المارشالات) على طول المسار أصبحت تعمل بالطاقة الشمسية، مما يعزز من بصمة الحلبة البيئية الإيجابية.
مبادرات خضراء لبيئة صحية
تماشيًا مع مبادرة “السعودية الخضراء”، أولت وزارة الرياضة اهتمامًا كبيرًا بتحسين الغطاء النباتي في محيط الحلبة. فقد تمت زراعة أكثر من 43 ألف متر مربع بالمساحات الخضراء، وغرس أكثر من 2000 شجرة قابلة للتكيف مع البيئة المحلية. هذه المبادرات لا تساهم فقط في تجميل المنظر العام، بل تلعب دورًا حيويًا في خفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين جودة الهواء، وتلطيف درجات الحرارة في المنطقة. كما صُممت أنظمة الري لتكون عالية الكفاءة، مما يقلل من استهلاك المياه ويحافظ على هذا المورد الحيوي.
تأثير يتجاوز حدود السباق
إن أهمية حلبة كورنيش جدة تتجاوز كونها مضمارًا لسباق سنوي. فهي منصة تؤكد من خلالها المملكة على التزامها بمستقبل رياضة السيارات المستدام. فإلى جانب الفورمولا 1، استضافت المملكة سباقات “فورمولا إي” للسيارات الكهربائية وسباق “إكستريم إي” لسيارات الدفع الرباعي الكهربائية، مما يرسخ مكانتها كمركز عالمي للابتكار في رياضة المحركات الصديقة للبيئة. هذا التوجه لا يجذب فقط عشاق الرياضة، بل يعزز صورة المملكة كوجهة رائدة تدعم الابتكار البيئي وتصنع مستقبلًا تكون فيه الرياضة متناغمة مع البيئة.


