
يمثل يوم التأسيس السعودي، الذي يوافق 22 فبراير من كل عام، مناسبة وطنية راسخة تحتفي بالجذور التاريخية العميقة للدولة السعودية. ففي هذا اليوم من عام 1139هـ (1727م)، وضع الإمام محمد بن سعود اللبنة الأولى للدولة السعودية الأولى، معلنًا من عاصمتها الدرعية عن قيام كيان سياسي موحد ومستقر في قلب شبه الجزيرة العربية. جاء هذا التأسيس في فترة كانت المنطقة تعاني فيها من التشتت السياسي وغياب السلطة المركزية، ليقدم مشروعًا حضاريًا قائمًا على تحقيق الأمن، وتنظيم شؤون المجتمع، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد المستند إلى كلمة التوحيد.
السياق التاريخي ومراحل الدولة السعودية
لم تكن رحلة الدولة السعودية قصيرة، بل امتدت على مدى ثلاثة قرون مرت خلالها بثلاث مراحل رئيسية. بدأت بالدولة السعودية الأولى التي أرست دعائم الوحدة والاستقرار، ورغم التحديات التي واجهتها، فإن جذورها ظلت حية. ثم قامت الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، لتكون استمرارًا للنهج ذاته وتأكيدًا على إرادة البقاء والنهوض. وصولًا إلى المرحلة الثالثة، حين تمكن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – من استعادة الرياض عام 1902م، ليبدأ مسيرة التوحيد التي تُوجت بالإعلان عن قيام المملكة العربية السعودية عام 1932م. لذا، لا يُنظر إلى توحيد المملكة كبداية منفصلة، بل كامتداد طبيعي وتتويج لتاريخ طويل من بناء الدولة.
الأهمية المحلية والإقليمية ليوم التأسيس
تكمن أهمية يوم التأسيس في كونه يربط الحاضر بالماضي، ويعزز وعي الأجيال الجديدة بالعمق التاريخي لوطنهم. فهو يختلف عن اليوم الوطني الذي يحتفل باكتمال التوحيد، حيث يركز يوم التأسيس على لحظة الانطلاقة الأولى ووضع حجر الأساس. على الصعيدين المحلي والإقليمي، كان قيام الدولة السعودية الأولى حدثًا مفصليًا، فقد قدم نموذجًا للدولة المركزية في منطقة اعتادت على الانقسامات القبلية، مما أثر على الخريطة السياسية للمنطقة وأسس لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
الرموز الثقافية ودلالات الهوية
تتجلى دلالات يوم التأسيس في رموزه الثقافية الغنية التي تعكس هوية تلك المرحلة التاريخية. فالزي التقليدي، مثل العقال المقصب والثوب المرودن، لا يمثل مجرد ملابس، بل يحمل قيم الأصالة والارتباط بالأرض. كما أن الشعار الرسمي للمناسبة، الذي يضم أيقونات مثل الخيل العربية الأصيلة (رمز الفروسية والشجاعة)، والسوق (دلالة على الحراك الاقتصادي والانفتاح)، والنخلة (رمز النماء والكرم)، يجسد منظومة القيم التي قامت عليها الدولة منذ نشأتها، وهي قيم الشجاعة والكرم والضيافة والنمو.
يوم التأسيس في ظل رؤية 2030
في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم عبر رؤية 2030، يأتي الاحتفاء بيوم التأسيس ليؤكد أن الانطلاق نحو المستقبل يتطلب أساسًا تاريخيًا صلبًا. ففهم الجذور التاريخية يعزز الهوية الوطنية ويمنح الثقة اللازمة لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل. إن رؤية 2030، بطموحاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تستلهم من هذا الإرث العريق روح العزيمة والقدرة على بناء دولة حديثة ومزدهرة، مما يثبت أن الدول الراسخة هي التي تبني مستقبلها على أمجاد ماضيها وتوازن بين الأصالة والمعاصرة. إن ما تعيشه المملكة اليوم من استقرار وتنمية وحضور دولي فاعل هو نتاج تراكمي لمسيرة بدأت قبل ثلاثة قرون.


