لا تُبنى الأمم بالنصوص الجامدة في كتب التاريخ فحسب، بل بلحظات فارقة تتجسد في أفعال خالدة، وقد تكون خطوة واحدة كفيلة بتلخيص مسيرة أمة بأكملها. في تاريخ المملكة العربية السعودية، تمثل بيعة أهل جدة للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- عام 1344هـ (1925م) لحظة محورية، لم تكن مجرد انتصار سياسي، بل كانت تتويجًا لمسيرة التوحيد بإبرام عقد اجتماعي متين قائم على الرضا والميثاق بين الحاكم والمحكوم.
خلفية تاريخية: خطوة نحو اكتمال الوحدة
جاءت هذه البيعة في سياق تاريخي حاسم، فبعد سنوات من الجهود لتوحيد أرجاء شبه الجزيرة العربية، كان دخول الملك عبدالعزيز إلى الحجاز يمثل المرحلة الأخيرة لإرساء دعائم الدولة السعودية الثالثة. كانت جدة، ببوابتها البحرية ومكانتها التجارية، تمثل ثقلاً استراتيجيًا واقتصاديًا كبيرًا. إن بيعة أهلها لم تكن مجرد إقرار بسلطة جديدة، بل كانت قبولًا طوعيًا ورضًا بمشروع الدولة الذي يحمله المؤسس، وهو ما أضفى على حكمه شرعية شعبية راسخة تجاوزت القوة العسكرية.
رمزية المشي: رسالة سياسية وأخلاقية عميقة
بعد تلقي البيعة، لم يبقَ الملك عبدالعزيز في قصره، بل اختار أن يمشي بين الناس في مسار محدد داخل جدة التاريخية. هذا الفعل البسيط في ظاهره كان يحمل رسالة سياسية وأخلاقية بالغة الأهمية. فالقائد الذي يمشي في شوارع شعبه يعلن بوضوح أن دولته ليست سلطة فوقية منعزلة، بل هي كيان ينبع منهم ويعمل معهم. كان هذا المشي إعلانًا عمليًا بأن الشرعية لا تُفرض، بل تُكتسب عبر التواصل المباشر والعلاقة الحية التي تُعاش في الشارع كما تُعلن في المجالس. ولهذا السبب، كان توثيق “ممشى المؤسس” وإقراره رسميًا عام 1439هـ بجهود جهات متعددة، عملاً ضروريًا لصيانة الذاكرة الوطنية، فالتاريخ لا يُحفظ فقط بالكلمات، بل بحماية جغرافيته وشواهده المادية.
رمضان وممشى المؤسس: تجديد العهد والوفاء
يأتي شهر رمضان المبارك ليمنح هذه الرمزية التاريخية بُعدًا روحيًا ووطنيًا أعمق. رمضان هو شهر التأمل ومراجعة النفس وتجديد العهود، سواء مع الخالق أو مع القيم التي تُبنى عليها المجتمعات. وفي هذا السياق، يصبح المشي في “ممشى المؤسس” خلال رمضان أكثر من مجرد نشاط ترفيهي أو رياضي؛ إنه استحضار حي لمعنى البيعة الأولى في إطار تعبدي وروحاني. فكما يجدد الصائم نيته وإيمانه كل يوم، يمكن للأمة أن تجدد عهدها مع مبادئ التأسيس من وحدة وتلاحم ووفاء. إن الوفاء الحقيقي لا يكمن فقط في الاحتفاء بيوم التأسيس عبر الخطابات والفعاليات، بل في إحياء رموزه وجعلها جزءًا من نسيج الحياة اليومية.
دعوة للحفاظ على الإرث
إن الطريق الذي شهد اكتمال الوحدة وبداية عهد جديد لا ينبغي أن يتحول إلى ذكرى باهتة أو مسار ثانوي تطغى عليه تنظيمات مؤقتة. بل يجب أن يظل مسارًا حيًا يُزار، وتُروى قصته للأجيال، ويُعاش معناه. إن الأمم العظيمة هي التي تحفظ خطوات مؤسسيها في وجدانها وشوارعها، مدركة أن الشرعية والقيم ليست ماضيًا يُستذكر، بل هي معنى يُمارس كل يوم. لذا، فإن الدعوة اليوم ليست مجرد دعوة للمشي، بل هي دعوة للوفاء: لا تُحوِّلوا طريق المؤسس، بل امشوا فيه، لتظل الخطوة التي بدأت بها الدولة حية في ضمير الأمة كما بقي أثرها شامخًا في التاريخ.


