أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، في خطوة تعكس حجم القلق المتزايد في واشنطن، أمراً بإجلاء الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم من سفارتها في بيروت. وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن هذا القرار جاء “لأسباب أمنية” وبعد تقييم دقيق للوضع الميداني، مؤكدةً أن الهدف هو تقليص الوجود الدبلوماسي إلى الحد الأدنى الضروري لضمان سلامة الطاقم مع الحفاظ على القدرة التشغيلية لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين الأمريكيين.
ويأتي هذا الإجراء الوقائي في خضم تصاعد حاد للتوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ويُنظر إلى لبنان، بتركيبته السياسية والأمنية المعقدة ووجود لاعبين إقليميين مؤثرين على أرضه، كإحدى الساحات المحتملة التي قد تشهد مواجهات بالوكالة أو مباشرة في حال اندلاع نزاع أوسع.
خلفية تاريخية وقراءة في السياق
لا يمكن فصل هذا القرار عن الذاكرة التاريخية المؤلمة للعلاقات الأمريكية-اللبنانية. ففي عام 1983، تعرضت السفارة الأمريكية في بيروت لتفجير مدمر، تلاه بعد أشهر تفجير آخر استهدف مقر مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، مما أسفر عن مقتل مئات الأمريكيين. هذه الهجمات، التي نُسبت إلى جماعات مدعومة من إيران، تركت أثراً عميقاً في السياسة الأمريكية تجاه لبنان، وجعلت أمن البعثات الدبلوماسية والعسكرية أولوية قصوى. وبالتالي، فإن أي تهديد أمني محتمل، حتى لو كان غير مؤكد، يُقابل بإجراءات احترازية مشددة بناءً على دروس الماضي.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة
يحمل قرار الإجلاء دلالات ورسائل متعددة على مختلف الأصعدة:
- محلياً: يزيد القرار من حالة القلق لدى الشارع اللبناني الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وسياسية خانقة. كما يُعتبر بمثابة مؤشر على عدم ثقة واشنطن في قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية على توفير الحماية الكافية للبعثات الدبلوماسية في ظل الظروف الراهنة.
- إقليمياً: يُعد هذا الإجراء بمثابة جرس إنذار للدول الأخرى التي لديها مصالح ورعايا في لبنان، وقد يدفعها لاتخاذ خطوات مماثلة. كما أنه يبعث برسالة واضحة إلى طهران ووكلائها في المنطقة، بأن الولايات المتحدة تأخذ التهديدات على محمل الجد ومستعدة لاتخاذ خطوات استباقية لحماية مواطنيها ومصالحها.
- دولياً: يسلط القرار الضوء على هشاشة الوضع الأمني في لبنان وخطورة تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وقد يؤثر سلباً على قطاع السياحة والاستثمار الأجنبي، ويزيد من عزلة لبنان الدولية في وقت هو أحوج ما يكون فيه للدعم الخارجي.
ورغم أن وزارة الخارجية الأمريكية أكدت أن السفارة في بيروت ستظل مفتوحة وتعمل بطاقمها الأساسي، إلا أن هذه الخطوة تظل مؤشراً خطيراً على أن المنطقة تقف على حافة تطورات أمنية غير محسوبة، وأن الدبلوماسية تفسح المجال بشكل متزايد للغة التحذيرات والإجراءات الأمنية المشددة.


