
في حوار يجمع بين روحانية الشهر الفضيل وعمق الكلمة وشغف الرياضة، يطل الأمير فيصل بن تركي بن ناصر، الشخصية التي استطاعت أن تترك بصمة واضحة في عالمي الشعر والرياضة، ليكشف عن جوانب من تأملاته وتجربته. يُعرف الأمير فيصل في الأوساط الأدبية بلقبه الشعري “الساري”، وهو شاعر غزير الإنتاج تعاون مع كبار نجوم الفن في العالم العربي، كما يُذكر في التاريخ الرياضي كرئيس ذهبي لنادي النصر قاده لتحقيق إنجازات تاريخية. في هذا اللقاء، يتحدث بلغة هادئة عن رمضان كمحطة لإعادة ضبط الروح، وعن القصيدة التي تولد من رحم التأمل، وعن النصر الذي يراه فكرة متجذرة في الوجدان.
السياق التاريخي: شاعر ورئيس مؤثر
قبل الخوض في تفاصيل الحوار، لا بد من الإشارة إلى المسيرة الفريدة للأمير فيصل بن تركي. كشاعر، قدم “الساري” للساحة الفنية قصائد غنائية خالدة، من أشهرها “ذيك الليالي” التي شدا بها فنان العرب محمد عبده، وسلسلة من الأعمال الناجحة مع فنانين كراشد الماجد وماجد المهندس وأصالة نصري. أما في المجال الرياضي، فقد تولى رئاسة نادي النصر السعودي من عام 2009 إلى 2018، وهي فترة حاسمة في تاريخ النادي، نجح خلالها في إعادة الفريق إلى منصات التتويج بلقب الدوري السعودي للمحترفين مرتين متتاليتين (2014 و2015) بعد غياب طويل، مما أكسبه محبة جارفة من جماهير “العالمي”. هذا المزيج بين حس الشاعر ودقة القائد الإداري يشكل خلفية ثرية لفهم رؤيته للحياة والقيادة وتأثيره الممتد على الثقافة والرياضة في المملكة.
رمضان: صفاء الروح والكلمة
• ماذا يعني لك رمضان وأنت تجمع بين الشعر والتجربة القيادية؟
•• رمضان عندي إعادة ضبط شاملة؛ للروح أولاً، ثم للكلمة، ثم للقرار. شهر يعلّمك أن القيادة بلا صفاء عبء، وأن الشعر بلا صدق ضجيج.
• هل يتغيّر إيقاع الكتابة لديك في رمضان؟
•• يتباطأ الإيقاع لكنه يصبح أعمق. أقل كتابة، أكثر وزناً. القصيدة في رمضان لا تُستعجل، فالتأمل يسبق القصيدة دائماً، وإذا صفا الداخل، جاءت الكلمة وحدها عند السكون، حين تخف الأصوات ويبقى الصوت الحقيقي.
القصيدة الخالدة: أصوات تمنح الكلمة عمراً
• كثير من نصوصك تحوّلت إلى أغانٍ بصوت كبار الفنانين؛ ماذا يعني لك ذلك؟
•• هذا شرف ومسؤولية، حين تختارك أصوات لها تاريخ، تدرك أن الكلمة وصلت إلى مكانها الصحيح. أنا أكتب القصيدة أولاً لنفسي، إذا صلحت للغناء، فذلك قرار الصوت لا قرار الشاعر.
• محمد عبده في «ذيك الليالي»، ماذا أضاف للنص؟
•• محمد عبده لا يؤدّي النص، بل يمنحه عمراً أطول. صوته ينقل القصيدة من اللحظة إلى التوهج الدائم، وهذا هو تأثير الأصوات العظيمة على الكلمة الشعرية، فهي تمنحها أبعاداً جديدة وتصل بها إلى وجدان المستمع بشكل أعمق.
• كيف تصف تعاونك مع فنانين مثل راشد الماجد وماجد المهندس وأصالة؟
•• لكل فنان بصمته الخاصة. راشد الماجد يفهم الإحساس قبل الوزن، فتبدو الأغنية وكأنه هو من كتبها. ماجد المهندس يلتقي مع النص في الحساسية العالية. أما أصالة، فهي تتأثر بالنص وتؤثر به، لذلك تحترمه فيحترمها. هذه الشراكات الفنية الناجحة مبنية على فهم متبادل لجوهر العمل الفني.
النصر: شغف منضبط بالعقل
• بصفتك شاعراً ورئيساً سابقاً لنادي النصر، كيف التقت القصيدة بالرياضة؟
•• كلاهما يحتاج إيماناً طويل النفس، الفوز السريع لا يصنع تاريخاً. الرياضة تشبه الشعر، تبدأ بالحلم وتنجح بالانضباط. خلال رئاستي للنصر، تعلمت أن أقود بعاطفة منضبطة بالعقل، فالعاطفة وحدها تهدم، والعقل وحده يبرد.
• ما أهم درس تعلمته من تجربة النصر؟
•• علّمني النصر إدارة الاختلاف. القصيدة حوار مع الذات، والنصر حوار مع الملايين. كما علّمتني الإدارة الرياضية أن الأثر أهم من المنصب. المنصب مرحلة، والأثر هو ما يبقى في ذاكرة الناس وقلوبهم، وهو ما لمسناه في تفاعل الجماهير خلال فترة تحقيق البطولات وبعدها.
• لماذا يبدو النصر حالة تتجاوز الفوز والخسارة؟
•• لأنه فكرة متجذّرة في الوجدان لا في الجدول. علاقته بجمهوره هي شغف يحتاج عقلاً. الجنون بلا وعي استهلاك، والانتماء الواعي بناء. يصبح النادي ملكاً للناس حين يبدأون بالدفاع عنه وكأنه جزء من ذاكرتهم الخاصة.
الأثر الباقي
• في الختام، ما الذي يبقى بعد كل هذه التجارب؟
•• الأثر فقط. سواء كان قصيدة تلامس قلباً، أو إنجازاً رياضياً يرسم فرحة. علّمني والدي (رحمه الله) أن القوة هدوء، وعلمتني والدتي الرحمة قبل البلاغة، وعلمني الأمير سلطان بن عبدالعزيز (رحمه الله) أن المكانة مسؤولية. هذه هي المبادئ التي تبقى.
• ما الدعاء الذي تختصر به كل شيء في هذا الشهر؟
•• اللهم صفاء النية، وحسن الأثر، وراحة القلب.. وما عدا ذلك يُدار.


