spot_img

ذات صلة

الشنّة والمجلاد: طرق حفظ التمور التراثية في العلا

في قلب محافظة العُلا، حيث تلتقي الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق، تبرز ممارسات زراعية متوارثة تروي قصة ارتباط الإنسان بأرضه، ومن أبرز هذه الممارسات استخدام «الشنّة» و«المجلاد» كوسائل تقليدية لحفظ التمور، والتي لا تزال شاهدة على حكمة الأجداد وبراعتهم حتى يومنا هذا.

خلفية تاريخية: ضرورة أوجدت الإبداع

لم تكن زراعة النخيل في العلا مجرد نشاط زراعي، بل كانت شريان الحياة في واحة صحراوية قامت على مر العصور بدور محوري على طرق التجارة القديمة، مثل طريق البخور. في هذا السياق، كان محصول التمور يمثل ثروة غذائية واقتصادية، مما استدعى ابتكار طرق فعالة لتخزينه لفترات طويلة لمواجهة قسوة الظروف المناخية وتأمين الغذاء على مدار العام. ومن هنا، وُلدت «الشنّة» و«المجلاد» كحلول مستدامة ومبتكرة، مستمدة بالكامل من البيئة المحلية.

«الشنّة» و«المجلاد»: فن الحفظ التقليدي

تعتمد صناعة «الشنّة» على جلود الحيوانات، خاصة الماعز، التي يتم دبغها وتجهيزها بعناية لتتحول إلى قربة متينة. تُستخدم هذه القربة لحفظ التمور المكنوزة، حيث تساعد خصائص الجلد الطبيعية على عزل التمر عن الهواء والرطوبة، مما يحافظ على جودته ونكهته لفترات قد تمتد لسنوات. أما «المجلاد»، فهو وعاء يُصنع بمهارة فائقة من سعف النخيل، حيث يتم تجديله وتشكيله ليصبح سلة قوية تستخدم لحماية التمور من العوامل الخارجية وتسهيل عمليات نقلها وتخزينها وتداولها في الأسواق.

الأهمية الثقافية والتأثير المعاصر

تتجاوز أهمية هذه الأدوات وظيفتها العملية، لتمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والزراعية للعلا. فهي تجسد علاقة الاحترام المتبادل بين الإنسان والنخلة، التي وُصفت بأنها “عمة الإنسان” لمنافعها المتعددة. ومع تزايد الإقبال على تمور العلا، خاصة خلال شهر رمضان المبارك لما لها من قيمة غذائية ورمزية على مائدة الإفطار، يزداد الاهتمام بهذه الممارسات التراثية.

وعلى الصعيدين المحلي والوطني، يتماشى الحفاظ على هذه الممارسات مع رؤية السعودية 2030، التي تولي اهتماماً كبيراً بصون التراث الثقافي غير المادي وتعزيز السياحة التراثية. فوجود «الشنّة» و«المجلاد» يضيف بعداً ثقافياً وتجربة أصيلة للسياح والزوار، ويعزز مكانة العلا كوجهة عالمية تحتفي بتاريخها الطبيعي والإنساني. إن استمرار استخدام هذه الوسائل التقليدية جنباً إلى جنب مع التقنيات الحديثة، يضمن نقل هذا الإرث العريق إلى الأجيال القادمة، ويؤكد على أن التطور لا يعني بالضرورة التخلي عن الجذور.

spot_imgspot_img