تحدي الانضباط المدرسي في رمضان: أبعاد جديدة لظاهرة متكررة
مع حلول شهر رمضان المبارك من كل عام، يتجدد الحديث في الأوساط التعليمية والمجتمعية السعودية حول ظاهرة غياب الطلاب والطالبات، والتي تشكل تحدياً كبيراً لانتظام العملية التعليمية. لكن في السنوات الأخيرة، اكتسبت هذه الظاهرة بعداً جديداً ومنظماً مع ظهور ما يُعرف بـ «قروبات الأمهات» على تطبيقات المراسلة الفورية مثل «واتساب»، حيث يتم التنسيق بشكل جماعي لتغييب الأبناء، مما يحول القرارات الفردية إلى حركة جماعية تؤثر سلباً على المناخ الدراسي العام.
خلفية الظاهرة وتأثيرها على الأهداف الوطنية
تاريخياً، ارتبط شهر رمضان في الذاكرة المجتمعية بتغير نمط الحياة اليومي، بما في ذلك السهر وزيادة الالتزامات الاجتماعية، وهو ما كان ينعكس أحياناً على شكل تساهل في الحضور المدرسي، خاصة في الأيام التي تسبق إجازة عيد الفطر. إلا أن هذا السلوك، الذي كان فردياً في السابق، أصبح اليوم أكثر تنظيماً بفضل التكنولوجيا، مما يهدد بتقويض الجهود التي تبذلها وزارة التعليم لضمان استمرارية التحصيل العلمي حتى آخر يوم دراسي. وتكتسب هذه القضية أهمية استراتيجية في ظل رؤية السعودية 2030، التي تضع تنمية رأس المال البشري والارتقاء بجودة التعليم في صميم أهدافها، حيث يُعد الانضباط والالتزام من الركائز الأساسية لبناء جيل قادر على تحقيق طموحات المستقبل.
تحليل الخبراء: بين المسؤولية الأسرية ودور المدرسة
لمواجهة هذه الظاهرة، أوصى مختصون عبر «عكاظ» بمجموعة من الإجراءات التعليمية. يرى الدكتور بدر سالم البدراني، أستاذ اقتصاديات التعليم، أن غياب الطلاب سلوك متكرر يؤثر على جودة التعليم، مشيراً إلى أن الربط بين الصيام وضعف القدرة على التحصيل هو مفهوم خاطئ يمكن التغلب عليه بتنظيم الوقت والنوم. وأكد البدراني أن الأسرة شريك أساسي في غرس قيمة الانضباط، وأن تراكم الدروس بسبب الغياب يؤدي حتماً إلى تراجع الأداء الأكاديمي.
من جهته، شدد الباحث التربوي مخلد الروقي على أن الانضباط لا يتعارض مع روحانيات الشهر الفضيل، بل يعزز قيم المسؤولية والصبر. وأوضح أن المدارس مهيأة لاستقبال الطلاب في بيئة تعليمية مناسبة تراعي خصوصية رمضان. وفي السياق ذاته، يرى الباحث خالد مسفر العتيبي أن الحل يبدأ من الأسرة عبر تنظيم أوقات النوم والمتابعة المستمرة مع المدرسة، مع ضرورة قيام المدارس بدورها في التحفيز الإيجابي وتوعية الطلاب بمخاطر الغياب على مستقبلهم الدراسي.
5 إجراءات مقترحة للحد من الغياب الجماعي
بناءً على آراء الخبراء وجهود وزارة التعليم، يمكن تلخيص أبرز الإجراءات الموصى بها في خمس نقاط محورية:
- تكثيف الحملات التوعوية: توجيه رسائل مكثفة ومباشرة لأولياء الأمور لشرح الآثار السلبية للغياب على التحصيل العلمي، والتأكيد على العواقب النظامية المترتبة على الغياب غير المبرر.
- تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة: تفعيل قنوات التواصل المستمر بين الطرفين لمتابعة حضور الطلاب بشكل يومي وإبلاغ الأهل بأي غياب فور حدوثه.
- خلق بيئة تعليمية جاذبة: تنظيم أنشطة وبرامج محفزة ومناسبة لأجواء رمضان داخل المدارس لزيادة ارتباط الطلاب بمدرستهم.
- تطبيق التحفيز الإيجابي: تكريم الطلاب الملتزمين بالحضور والثناء عليهم ليكونوا قدوة لزملائهم.
- التأكيد على مسؤولية الأسرة: حث الأسر على تنظيم أوقات نوم أبنائهم وتوفير بيئة منزلية تساعدهم على الموازنة بين العبادة والدراسة.
وقد كثّفت وزارة التعليم بالفعل رسائلها التوعوية قبل رمضان، مؤكدة أن «الانضباط أمر مهم جداً ويدل على اهتمامكم وحرصكم على مصلحة أبنائكم»، في إشارة واضحة إلى أن مواجهة هذه الظاهرة هي مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود لضمان مستقبل تعليمي أفضل للأجيال القادمة.


