spot_img

ذات صلة

واشنطن تحشد وطهران تفاوض: هل تنجح محادثات جنيف؟

في مشهد يجمع بين قرع طبول الحرب والمساعي الدبلوماسية الحثيثة، تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية تطورات متسارعة ومعقدة، حيث تتزامن التحشيدات العسكرية غير المسبوقة في المنطقة مع تصريحات سياسية تبدي مرونة تجاه التفاوض. هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط ومآلات الجولة المرتقبة من المحادثات.

إيران: جاهزية للاتفاق وتحذير من “المغامرة”

مع اقتراب انطلاق جولة جديدة من المحادثات في جنيف، أطلق نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، رسائل مزدوجة تعكس الموقف الإيراني الدقيق. فقد أكد روانجي استعداد طهران التام لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في أسرع وقت ممكن، مما يشير إلى رغبة إيرانية في تجنب التصعيد العسكري.

وفي الوقت ذاته، حذر الدبلوماسي الإيراني بلهجة حازمة من أن أي هجوم أمريكي سيُعد “مغامرة حقيقية”، في إشارة واضحة إلى أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي عمل عسكري. وتأتي هذه التصريحات لترسم خطوطاً حمراء قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، مؤكدة أن الليونة الدبلوماسية لا تعني الضعف العسكري.

سياق المحادثات: وساطة عُمانية وسط حقول الألغام

من المقرر أن تعقد الجولة الثالثة من المحادثات يوم الخميس في جنيف بوساطة عُمانية، وهي وساطة طالما لعبت دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين الخصمين اللدودين. وتكتسب هذه الجولة أهمية استثنائية نظراً لتوقيتها الحرج، حيث تأتي في ظل فجوة ثقة عميقة وتراكمات تاريخية من الخلافات حول الملف النووي والنفوذ الإقليمي.

ويرى مراقبون، بما في ذلك مركز الأبحاث الأمريكي “إنترناشونال كرايسيس غروب”، أن مهمة التوصل إلى اتفاق ستكون شاقة للغاية. فعمق الخلافات يتجاوز التفاصيل الفنية للبرنامج النووي ليصل إلى العقيدة الاستراتيجية للطرفين في المنطقة، مما يجعل أي اختراق دبلوماسي إنجازاً يتطلب تنازلات مؤلمة من الجانبين.

حشود عسكرية أمريكية غير مسبوقة

على الجانب الآخر، تتبنى واشنطن استراتيجية “التفاوض تحت النار”، حيث كشفت تقارير استخباراتية وصور للأقمار الاصطناعية عن تحركات عسكرية ضخمة. فقد تم رصد نقل أكثر من 150 مقاتلة أمريكية إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط منذ منتصف فبراير الجاري، في رسالة ردع واضحة.

ولعل التطور الأبرز هو وصول حاملة الطائرات الأمريكية العملاقة “يو إس إس جيرالد فورد” إلى قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية، لتنضم إلى الحشود العسكرية في المنطقة. وبذلك، تصبح “فورد” ثاني حاملة طائرات يتم إرسالها إلى الشرق الأوسط، مما يعني عملياً أن ما يقرب من ثلث القوة البحرية الأمريكية النشطة باتت متمركزة في هذه البقعة الساخنة من العالم.

استراتيجية ترامب: القوة الفتاكة كخيار مطروح

في البيت الأبيض، لخصت كارولاين ليفيت، المتحدثة باسم الرئيس دونالد ترامب، الموقف الأمريكي بقولها إن “الخيار الأول هو الدبلوماسية دائماً”، لكنها استدركت بأن الرئيس مستعد لاستخدام “القوة الفتاكة” إذا لزم الأمر. هذا النهج يتماشى مع عقيدة ترامب القائمة على “السلام من خلال القوة”، حيث يسعى لممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار الخصم على تقديم تنازلات.

وفي سياق متصل، يستعد وزير الخارجية ماركو روبيو لتقديم إحاطة أمنية لكبار قادة الكونغرس، مما يعكس جدية الموقف واحتمالية اتخاذ قرارات حاسمة في الأيام المقبلة. ويقدر خبراء عسكريون أن هذه التحشيدات قد تكون تمهيداً لعملية جوية مكثفة تستمر لعدة أيام، مستبعدين فكرة الغزو البري، وهو سيناريو يضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن.

تداعيات إقليمية ومخاوف عالمية

لا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على الطرفين المباشرين فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن الإقليمي والعالمي. فإيران ردت على هذه التحشيدات بإطلاق مناورات عسكرية للحرس الثوري على طول الساحل الجنوبي وقبالة الخليج، وهي منطقة حيوية لإمدادات الطاقة العالمية. أي خطأ في الحسابات أو احتكاك غير مقصود في مياه الخليج قد يؤدي إلى اشتعال مواجهة واسعة النطاق تؤثر فوراً على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية احتواء الموقف قبل فوات الأوان.

spot_imgspot_img