
قبل أن تعرف المدن الحديثة المجمعات التجارية المكيفة والمراكز المالية الرقمية، كانت الأسواق الشعبية هي الشريان النابض للحياة، وقلب الطريق وروحه. في سوق الجفرة، لم تكن المسألة مجرد التقاء للسلع بالناس، بل تحول العبور اليومي إلى ذاكرة اقتصادية واجتماعية لا تُنسى. لقد كان هذا السوق يقدم حلولاً عملية وسابقة لعصرها للراغبين في التمويل المالي وتسيير أمورهم المعيشية قبل نشوء البنوك المحلية والمؤسسات المصرفية النظامية.
السياق التاريخي: الجفرة في قلب الرياض القديمة
مثّل سوق الجفرة أحد أبرز الفضاءات الاقتصادية في الرياض القديمة، حيث ارتبط نشاطه بطبيعة العمران النجدي التقليدي. لم يكن السوق مجرد دكاكين متراصة، بل كان جزءاً من النسيج الحضري الذي يربط الأحياء السكنية بالمراكز الحيوية. وارتبط السوق بالطرق الرئيسية المؤدية إلى قلب المدينة، فكان يستقبل القوافل والقادمين من الأحياء والقرى المجاورة، محمّلين بالمنتجات الزراعية والمواشي والبضائع اليدوية. وفي أروقته، تشكّلت ملامح اقتصاد بسيط ولكنه متين، قائم على ركيزة أساسية هي "الثقة" والمعرفة المباشرة بين البائع والمشتري.
نظام التمويل التقليدي قبل البنوك
لعل أبرز ما ميز سوق الجفرة هو دوره كمركز مالي غير رسمي. في تلك الحقبة، وقبل انتشار البنوك، كان التجار الكبار في السوق يلعبون دور الممولين. كان النظام قائماً على "الآجل" والمداينة المبنية على الكلمة والسمعة الطيبة. كان المزارعون وأصحاب الحرف يقصدون السوق للحصول على تمويلات لتسيير أعمالهم أو لتأمين احتياجاتهم الموسمية، ليتم السداد لاحقاً عند الحصاد أو بيع الإنتاج. هذه الديناميكية جعلت من الجفرة مؤسسة اقتصادية مجتمعية تدعم استمرار الحياة التجارية في العاصمة القديمة.
مركز الأخبار والملتقى الاجتماعي
لم يكن السوق معزولاً عن التحولات الاجتماعية، بل كان مرآة لها ومجلساً مفتوحاً للجميع. تميّز سوق الجفرة بحيويته اليومية، إذ تتداخل الأصوات والروائح وحركة المارة لتعكس صورة المدينة في زمنها الشعبي. كان السوق بمثابة "وكالة أنباء" حية؛ ففيه يتم تبادل أخبار الأمطار، وأحوال الطرق، والقرارات الحكومية، وأخبار القبائل والأسر. كان نقطة التقاء اجتماعي تُبنى فيها العلاقات وتُفض فيها النزاعات ودياً، مما عزز من الترابط الاجتماعي بين سكان الرياض.
من الذاكرة إلى المستقبل: السياحة الثقافية
مع تطور مدينة الرياض وانتقال الأنشطة التجارية إلى نماذج حديثة وعالمية، تراجع الدور الاقتصادي المباشر للسوق، لكنه لم يفقد قيمته الرمزية والتاريخية. فذاكرته ما زالت حاضرة بوصفه شاهداً على مرحلة تأسيسية شكّلت الوعي الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.
واليوم، في ظل رؤية المملكة 2030 التي تولي اهتماماً بالغاً بالتراث العمراني والثقافي، فإن إعادة قراءة سوق الجفرة تفتح المجال لتحويله إلى موقع ثقافي وسياحي بارز. استعادة هذا السوق لا تعني فقط ترميم المباني، بل تعني استعادة "روح المكان"، لمنح الزائر تجربة عيش تفاصيل الحياة اليومية في المدينة القديمة، حيث كان الطريق يمر عبر السوق قبل أي مكان آخر، وحيث كانت الكلمة عقداً، والمصافحة وثيقة.


