في خطاب شديد اللهجة يعكس خطورة المشهد الدولي الراهن، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن العالم يواجه أزمة ثقة عميقة وتآكلاً غير مسبوق في آليات الأمن الجماعي، بالتزامن مع تصاعد محموم في سباقات التسلح التقليدية والنووية. وجاءت هذه التحذيرات خلال كلمته أمام مؤتمر نزع السلاح، حيث كشف عن أرقام صادمة تتعلق بالإنفاق العسكري العالمي الذي وصل إلى مستويات قياسية.
أرقام قياسية وتآكل في الثقة الدولية
أشار غوتيريش بوضوح إلى أن الإنفاق العسكري العالمي قد قفز ليبلغ نحو 2.7 تريليون دولار أمريكي، وهو رقم يعكس تحولاً خطيراً في أولويات الدول نحو العسكرة بدلاً من التنمية. وأكد الأمين العام أن هذا الضخ الهائل للأموال لا يحقق الأمن المنشود، بل على العكس، فإنه يغذي سباقات تسلح جديدة ويزيد من حدة التوترات الجيوسياسية، واصفاً الوضع بأنه "تآكل خطير في الثقة" بين القوى العظمى والفاعلين الدوليين.
السياق التاريخي وأهمية مؤتمر نزع السلاح
تأتي تصريحات غوتيريش في وقت يواجه فيه مؤتمر نزع السلاح، وهو الهيئة الوحيدة متعددة الأطراف في العالم للتفاوض بشأن نزع السلاح، تحديات وجودية. تاريخياً، لعب هذا المؤتمر دوراً محورياً في صياغة اتفاقيات دولية كبرى، إلا أنه عانى في السنوات الأخيرة من الجمود بسبب الاستقطاب الدولي الحاد. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل تراجع الالتزام بالمعاهدات الدولية التي كانت تشكل صمام أمان خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها، مما يضع العالم أمام سيناريوهات مفتوحة على احتمالات تصعيد غير محسوبة.
مخاطر عسكرة الفضاء والتهديد النووي
ركز الأمين العام في دعوته على ثلاث ركائز أساسية لضمان أمن دولي دائم، وهي:
- إحياء منظومة نزع السلاح: عبر تفعيل الآليات الدبلوماسية المعطلة.
- وقف سباق التسلح النووي: حيث حذر من أن الخطابات المتشددة والتلويح باستخدام الأسلحة غير التقليدية لا يحقق أمناً حقيقياً بل يقرب العالم من حافة الهاوية.
- منع عسكرة الفضاء: وهي النقطة التي أثارت اهتماماً واسعاً، حيث يُعد الفضاء الخارجي مجالاً حيوياً للاتصالات والاقتصاد العالمي. وتحذر التقارير الدولية من أن نقل الصراعات إلى الفضاء قد يؤدي إلى شلل في البنية التحتية التكنولوجية العالمية، مما يجعل الحفاظ على الفضاء كمنطقة سلمية ضرورة ملحة للأمن القومي لجميع الدول بلا استثناء.
نحو بنية أمنية عالمية متجددة
واختتم غوتيريش حديثه بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في تكديس الترسانات، بل في بلورة "بنية أمنية دولية متجددة". هذه البنية يجب أن تقوم على أسس التعاون المشترك، والشفافية، وتجنب التصعيد، مشدداً على أن الأمن الحقيقي ينبع من التنمية المستدامة واحترام المواثيق الدولية، وليس من خلال سباقات التسلح التي تستنزف موارد الشعوب وتهدد مستقبل البشرية.


