وصل رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، اليوم (الأربعاء) إلى إسرائيل في زيارة رسمية تستغرق يومين، تُعد محطة مفصلية في مسار العلاقات المتنامية بين نيودلهي وتل أبيب. وتكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية كونها تأتي في توقيت إقليمي حساس للغاية، يشهد تصاعداً غير مسبوق في حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، مما يضع المصالح الهندية في المنطقة أمام تحديات معقدة.
تاريخ العلاقات: من الجمود إلى الشراكة الاستراتيجية
لم تكن العلاقات الهندية الإسرائيلية دائماً بهذه الحميمية؛ فقد اعترفت الهند بإسرائيل عام 1950 لكنها لم تقم علاقات دبلوماسية كاملة إلا في عام 1992. ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات تطوراً متسارعاً، وصل ذروته مع وصول مودي إلى السلطة. وتُعيد هذه الزيارة للأذهان السابقة التاريخية التي صنعها مودي عام 2017، حين أصبح أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل، في خطوة كسرت عقوداً من الحذر الدبلوماسي الهندي. وتُظهر الصور الأرشيفية لتلك الزيارة، وخاصة الجولة الشهيرة على شاطئ حيفا مع بنيامين نتنياهو، عمق "الكيمياء الشخصية" التي تربط الزعيمين، واللذين يصف كل منهما الآخر بـ"الصديق المقرب".
أجندة الزيارة: الدفاع والتكنولوجيا في الصدارة
تتجاوز الزيارة الحالية الأبعاد البروتوكولية لتركز على ملفات حيوية، أبرزها التعاون العسكري والتقني. وتُعد الهند اليوم أكبر مشترٍ للمعدات العسكرية الإسرائيلية، حيث تسعى نيودلهي لتحديث ترسانتها العسكرية وسط تحديات أمنية مع جيرانها. ومن المتوقع أن تتصدر مباحثات مودي ونتنياهو صفقات تتعلق بأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. كما يسعى الطرفان لتعزيز التعاون في مجالات الزراعة وإدارة المياه، وهي مجالات تمتلك فيها إسرائيل خبرات واسعة تحتاجها الهند بشدة.
الظل الإيراني والمخاوف الهندية
تخيم التوترات الجيوسياسية في الخليج العربي على أجواء الزيارة. فمع تعزيز الولايات المتحدة لحشودها العسكرية وإرسال حاملات طائرات إلى المنطقة تحسباً لمواجهة مع طهران، تجد الهند نفسها في موقف دقيق. وتخشى نيودلهي من أي شرارة قد تشعل حرباً إقليمية، نظراً لأن منطقة الخليج هي المصدر الرئيسي لواردات الهند من الطاقة، كما أنها موطن لملايين المغتربين الهنود الذين يرسلون تحويلات مالية بمليارات الدولارات سنوياً تدعم الاقتصاد الهندي.
ويرى مراقبون أن مودي يحمل في جعبته رسائل تدعو للتهدئة، حيث تسعى الهند للحفاظ على توازن دقيق في سياستها الخارجية؛ فهي تحافظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن وتل أبيب، وفي الوقت نفسه لا ترغب في استعداء طهران التي تربطها بها مصالح تجارية ومشاريع بنية تحتية (مثل ميناء تشابهار). ويؤكد المحللون أن الهند، رغم اهتمامها بالانخراط في تكتلات اقتصادية وأمنية جديدة، ستظل متمسكة بمبدأ "الاستقلالية الاستراتيجية" وتجنب الانجرار إلى تحالفات عسكرية صريحة قد تضر بمصالحها المتشعبة.


