أثار تقرير إعلامي بثته قناة «العالم» الإيرانية عاصفة من الجدل السياسي والأمني في لبنان، بعدما أدرج «قاعدة حامات الجوية» الواقعة شمالي البلاد ضمن بنك أهداف محتمل، واصفاً إياها بـ«القواعد الأمريكية» التي قد تطالها صواريخ الرد الإيراني في حال اندلاع مواجهة مفتوحة مع واشنطن. هذا التصنيف الخطير استدعى استنفاراً رسمياً لبنانياً لتوضيح الحقائق وتجنيب البلاد تداعيات الانزلاق إلى صراع إقليمي لا تحتمله.
السياق التاريخي: من «مطار بيار الجميل» إلى السيادة الوطنية
لفهم طبيعة هذا الجدل، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لهذه المنشأة الاستراتيجية. تقع القاعدة في بلدة حامات الساحلية بقضاء البترون، وقد أُنشئت في سبعينيات القرن الماضي خلال الحرب الأهلية اللبنانية تحت اسم «مطار بيار الجميل»، حيث كان الهدف منها حينذاك خدمة المجهود الحربي لأحد الأطراف المحلية. وعقب انتهاء الحرب ودخول البلاد في مرحلة السلم الأهلي، ثم انسحاب القوات السورية عام 2005، وضعت الدولة اللبنانية يدها بالكامل على المرفق.
تحول الموقع رسمياً إلى «قاعدة حامات الجوية» التابعة للجيش اللبناني، لتصبح ركيزة أساسية في تدريب القوات الخاصة (فوج المغاوير) والقوات الجوية، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز الذي يربط الساحل بالجبل، بعيداً عن الزحام المدني لمطار بيروت الدولي.
حقيقة الوجود الأمريكي: تعاون لوجستي لا قواعد عسكرية
تستند السردية التي حاولت بعض الجهات الترويج لها حول «أمركة» القاعدة إلى برامج الدعم العسكري المستمرة بين الولايات المتحدة والجيش اللبناني. فمنذ سنوات، تستقبل قاعدة حامات طائرات «سوبر توكانو» وطائرات «سيسنا» المقدمة كمنح أمريكية للجيش، بالإضافة إلى فرق تدريب تقنية تزور القاعدة دورياً لصيانة المعدات وتدريب الطيارين اللبنانيين.
إلا أن الخبراء العسكريين والمصادر الرسمية يؤكدون أن هذا التعاون يندرج ضمن الاتفاقيات البروتوكولية المعتادة بين الدول، ولا يرقى بأي شكل إلى مستوى «القاعدة العسكرية الأجنبية» التي تتمتع بحصانة دبلوماسية أو سيادة منفصلة عن الدولة المضيفة. فالقاعدة تدار بالكامل من قبل ضباط لبنانيين، وتخضع للقوانين العسكرية اللبنانية، ولا تملك أي جهة خارجية سلطة القرار فيها.
تداعيات التصنيف وتأكيد السيادة
يحمل التهديد بضرب منشآت سيادية لبنانية مخاطر جيوسياسية كبيرة، إذ يضع الجيش اللبناني ومقدراته في دائرة الاستهداف المباشر ضمن صراع النفوذ في المنطقة. وقد سارعت قيادة الجيش ووزارة الدفاع إلى نفي المزاعم الإيرانية بشكل قاطع، مؤكدة أن القاعدة «لبنانية مئة بالمئة»، وأن أي وجود لخبراء أجانب ينحصر في المهام الاستشارية والتدريبية فقط.
يأتي هذا التوضيح ليقطع الطريق أمام محاولات زج لبنان في أتون الصراعات الإقليمية، وليؤكد أن المؤسسة العسكرية اللبنانية هي الضامن الوحيد للسيادة، وأن منشآتها ليست ساحة لتصفية الحسابات الدولية، بل هي مكرسة لحماية السلم الأهلي والدفاع عن الحدود الوطنية.


