في تحول استراتيجي غير مسبوق في المشهد السياسي والأمني اللبناني، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني، اليوم (الاثنين)، قراراً حاسماً بحظر كافة الأنشطة العسكرية والأمنية لـ «حزب الله»، وذلك في أعقاب التطورات الميدانية الأخيرة وعملية إطلاق الصواريخ ليل الأحد، التي اعتبرتها الحكومة خروجاً صارخاً عن الإجماع الوطني وانتهاكاً لسيادة الدولة.
تفاصيل القرار الحكومي وخلفياته
جاء هذا القرار المفصلي بعد جلسة طارئة ومداولات مطولة في قصر بعبدا، ليرسم خطاً فاصلاً في تاريخ التعاطي الرسمي مع السلاح غير الشرعي. وقد نص القرار بشكل واضح على حظر أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار المؤسسات الشرعية، واضعاً بذلك إطاراً تنفيذياً لإلزام الحزب بالتقيد بالقوانين اللبنانية ومقررات السلطة التنفيذية.
وأكد رئيس الحكومة، نواف سلام، في بيان تلاه عقب الجلسة التي انعقدت وسط أجواء أمنية مشحونة وغارات إسرائيلية، أن هذا الإجراء يأتي «تطبيقاً للدستور ووثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)». وشدد سلام على رفض الدولة المطلق لعملية إطلاق الصواريخ التي تبناها الحزب، معتبراً أنها تتناقض مع المبدأ الدستوري القائل بأن قرار الحرب والسلم هو حق حصري للدولة اللبنانية وحدها.
السياق التاريخي وأهمية حصرية السلاح
تكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بالنظر إلى الخلفية التاريخية للصراع حول سلاح الأحزاب في لبنان. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، ظل بند «حل الميليشيات» وحصر السلاح بيد الدولة موضع تجاذب سياسي حاد. ويأتي القرار الحالي ليعيد الاعتبار لمفهوم الدولة القوية القادرة، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المتفجرة.
ويرى مراقبون أن تأكيد الحكومة على «حصرية قرار الحرب والسلم» يعكس رغبة لبنانية رسمية في تجنيب البلاد الانزلاق نحو حرب شاملة لا تحتملها البنية الاقتصادية والاجتماعية المنهكة، كما يمثل رسالة للمجتمع الدولي بالتزام لبنان بالقرارات الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بضبط الحدود والسيادة.
دور الجيش والترتيبات الأمنية جنوب الليطاني
في الشق التنفيذي، فوضت الحكومة قيادة الجيش اللبناني باتخاذ كافة التدابير الميدانية الفورية لضبط الوضع. وتضمن القرار تعليمات واضحة بتنفيذ الخطة الأمنية شمال نهر الليطاني، واستخدام كافة الوسائل لمنع أي خرق لقرار الدولة، بما في ذلك توقيف المخالفين ومنع إطلاق الصواريخ أو تسيير المسيرات من الأراضي اللبنانية.
وكان الرئيس جوزيف عون قد استهل الجلسة بموقف حازم، واصفاً ما جرى بأنه «غير مقبول» وأنه يمنح إسرائيل ذرائع لشن هجمات، محذراً من محاولات جر البلاد إلى الفوضى. ويعكس هذا الموقف التناغم بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية في ضرورة بسط سلطة القانون.
التداعيات المتوقعة والمسار التفاوضي
من المتوقع أن يكون لهذا القرار تداعيات واسعة على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي، يؤسس لمرحلة جديدة من العمل السياسي تحت سقف الدستور. أما دولياً، فقد أشار مجلس الوزراء إلى استعداده لاستئناف المفاوضات برعاية دولية، مما يوحي بأن استعادة الدولة لقرارها السيادي قد يفتح الباب أمام حلول دبلوماسية تجنب لبنان ويلات الحرب وتؤمن مظلة حماية دولية.


