في إنجاز تاريخي يعكس التزام المملكة العربية السعودية بتحقيق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة، كشف المركز الوطني لتخطيط القوى العاملة الصحية في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عن قفزة نوعية وغير مسبوقة في أعداد الممارسين السعوديين. يتجاوز عدد الممارسين المسجلين في الهيئة حالياً 800 ألف ممارس صحي، منهم أكثر من 460 ألف سعودي في مختلف التخصصات بحلول عام 2026. هذا التقدم الكبير يؤكد نجاح استراتيجيات توطين القطاع الصحي السعودي ويعزز من كفاءة الكوادر الوطنية، مما يبشر بمستقبل واعد للرعاية الصحية في المملكة.
قفزة نوعية في أعداد الممارسين السعوديين
تُظهر الأرقام الصادرة عن المركز الوطني لتخطيط القوى العاملة الصحية نمواً ملحوظاً في نسبة الأطباء السعوديين، حيث ارتفعت من 31% في عام 2018 إلى 40% بحلول عام 2026. هذا الارتفاع يتزامن مع نمو لافت في أعداد الأطباء المصنفين بلغ 295% منذ عام 2015، مما يعكس تطوراً كبيراً في كفاءة الكوادر الوطنية، لا سيما في التخصصات الدقيقة التي تتطلب مهارات عالية وخبرة متعمقة. هذا التوسع يضمن توفير رعاية صحية متقدمة ومتخصصة للمواطنين والمقيمين.
تعزيز الكفاءات في التخصصات الدقيقة
شهد قطاع طب الأسنان نمواً استثنائياً، حيث تجاوز عدد الممارسين السعوديين 32 ألفاً، بنسبة نمو بلغت 357% منذ عام 2015. وقد ارتفع معدل أطباء الأسنان إلى 107.6 لكل 100 ألف نسمة، متجاوزاً بذلك متوسط دول مجموعة العشرين البالغ 77.4. هذا التطور يأتي بالتزامن مع انخفاض تدريجي في أعداد خريجي طب الأسنان العام بنسبة 44% بين عامي 2018 و2025، مما يسهم في تحقيق توازن مثالي بين العرض والطلب في سوق العمل. وفي مهن التمريض والقبالة، بلغ عدد الممارسين أكثر من 290 ألفاً، منهم 110 آلاف سعودي، لترتفع نسبة السعوديين من 30% عام 2018 إلى 38% عام 2026. كما ارتفعت نسبة الصيادلة السعوديين من 32% إلى 52% خلال الفترة نفسها، ليتجاوز عددهم 25 ألف صيدلي في قطاعات الرعاية الصحية والصناعة الدوائية، مؤكداً نجاح سياسات التوطين في المهن التخصصية. وسجلت مهن العلوم الطبية أعلى نسب التوطين، إذ بلغت نسبة السعوديين 87% من إجمالي 247 ألف ممارس، مع نمو في أعدادهم وصل إلى 179% منذ 2015، مدفوعاً بتوسع التخصصات الداعمة لأنشطة التشخيص والعلاج.
رؤية 2030 ودفع عجلة التوطين الصحي
يأتي هذا الإنجاز ضمن سياق أوسع لـ “رؤية السعودية 2030″، التي تضع تطوير القطاع الصحي وتوطين الكفاءات الوطنية في صميم أولوياتها. تاريخياً، اعتمد القطاع الصحي في المملكة بشكل كبير على الكوادر الأجنبية، ولكن مع إطلاق الرؤية، بدأت جهود مكثفة لتحويل هذا الاعتماد إلى الاكتفاء الذاتي من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب والتأهيل للمواطنين. تهدف هذه الاستراتيجية إلى بناء نظام صحي مستدام ومرن، قادر على تلبية احتياجات المجتمع المتزايدة، وتعزيز الأمن الصحي الوطني. إن توطين القطاع الصحي ليس مجرد هدف اقتصادي لخلق فرص عمل، بل هو ركيزة أساسية لضمان جودة الرعاية الصحية المقدمة، حيث يساهم الممارس الصحي الوطني في فهم أعمق للثقافة المحلية واحتياجات المرضى، مما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات الصحية المقدمة.
الآثار المتوقعة لتعزيز الكوادر الوطنية
إن تعزيز الكوادر الوطنية في القطاع الصحي يحمل في طياته آثاراً إيجابية متعددة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، سيؤدي ذلك إلى تحسين جودة الرعاية الصحية من خلال توفير ممارسين صحيين يتحدثون اللغة العربية ويفهمون السياق الثقافي للمرضى، مما يعزز الثقة ويسهل التواصل. كما سيساهم في خلق آلاف فرص العمل للشباب السعودي، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويقلل من البطالة. إقليمياً، تعزز هذه القفزة مكانة المملكة كمركز رائد للرعاية الصحية والتعليم الطبي في المنطقة، مما قد يجذب الكفاءات والخبرات ويفتح آفاقاً للتعاون الإقليمي. دولياً، تساهم المملكة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة والرفاه، وتبرز كنموذج يحتذى به في بناء قدرات صحية وطنية قوية ومستقلة، خاصة في أوقات الأزمات الصحية العالمية.
منظومة تدريب متكاملة لدعم المستقبل
بالتوازي مع هذا النمو في أعداد الممارسين، ارتفع عدد مقاعد القبول في برامج البورد السعودي إلى 10,916 مقعداً تدريبياً في عام 2025، بنمو 202% مقارنة بعام 2018. ويبلغ عدد المتدربين حالياً 25,876 متدرباً عبر 195 برنامجاً تدريبياً متنوعاً، مما يعكس توسع منظومة التدريب الصحي المتخصص ومكانة المملكة كمركز جاذب للكفاءات الصحية. وتواصل الأكاديمية الصحية دورها المحوري، حيث درّبت أكثر من 40 ألف متدرب عبر برامج منتهية بالتوظيف في أكثر من 37 مدينة، وبشراكة مع أكثر من 350 جهة توظيف، من بينهم 14,400 متدرب في برنامج فني رعاية المرضى و6,918 في برنامج مساعد طبيب الأسنان. هذه البرامج تضمن تزويد سوق العمل بالمهارات اللازمة وتلبية الاحتياجات المتغيرة للقطاع.
توطين القطاع الخاص وتوازن سوق العمل
أسهمت هذه الجهود المتضافرة في دعم مستهدفات توطين القطاع الصحي، خصوصاً في القطاع الخاص، حيث ارتفعت نسب التوطين إلى 35% في عام 2024، و45% في عام 2025، وصولاً إلى 55% في عام 2026. وقد انعكس ذلك إيجاباً على انخفاض أعداد الباحثين عن عمل؛ إذ سجلت منصة «جدارات» في فبراير 2026 وجود 1009 باحثين عن عمل في طب الأسنان من أصل 15,279 مسجلاً كأطباء أسنان سعوديين. هذا التوازن في سوق العمل، مدعوماً بنمو تخصصات طب الأسنان في المقاعد التدريبية بزيادة بلغت 517% منذ 2018، يؤكد فعالية السياسات المتبعة في تحقيق الاستقرار المهني وتلبية احتياجات القطاع.


