انطلقت اليوم الاثنين في العاصمة الفرنسية باريس، فصول محاكمة المفكر الإسلامي السويسري طارق رمضان، حفيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وذلك أمام محكمة الجنايات بتهم تتعلق باغتصاب ثلاث نساء في فرنسا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2016. وتعد هذه المحاكمة محطة مفصلية في مسار طويل من التحقيقات القضائية التي أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأوروبية والإسلامية.
تفاصيل الاتهامات والضحايا
يواجه رمضان (63 عاماً) تهماً ثقيلة قد تصل عقوبتها في حال الإدانة إلى السجن لمدة 20 عاماً. وتعود القضية إلى شكاوى تقدمت بها ثلاث نساء؛ الأولى هي هند عياري، السلفية السابقة التي تحولت إلى ناشطة نسوية، والتي اتهمت رمضان باغتصابها في فندق بباريس عام 2012. أما الضحية الثانية، التي عُرفت باسم "كريستيل"، فقد أكدت تعرضها لاغتصاب عنيف في ليون عام 2009، بالإضافة إلى مدعية ثالثة انضمت للملف لاحقاً.
من الإنكار التام إلى "العلاقة بالتراضي"
شهدت استراتيجية الدفاع عن طارق رمضان تحولات جذرية منذ تفجر القضية. ففي بداية التحقيقات عام 2017، نفى رمضان أي معرفة جسدية بالمدعيات. ومع ظهور أدلة تقنية ورسائل نصية، اضطر لتغيير روايته في عام 2018، معترفاً بإقامة علاقات جنسية معهن، لكنه تمسك بأنها كانت علاقات "بالتراضي" وضمن إطار ما وصفه بعلاقات "الهيمنة والخضوع" المتفق عليها بين الطرفين، نافياً أي شكل من أشكال الإكراه أو العنف.
السياق التاريخي وسقوط "النجم الأكاديمي"
لفهم الزخم الإعلامي المحيط بهذه المحاكمة، يجب النظر إلى المكانة التي كان يشغلها طارق رمضان قبل هذه الاتهامات. فقد كان يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه الإسلامية في الغرب، وشغل منصب أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أكسفورد العريقة. كان رمضان يمثل لسنوات طويلة صوتاً يدعو إلى "إسلام أوروبي"، مما جعله شخصية مؤثرة وجدلية في آن واحد، قبل أن تطيح هذه الاتهامات بمسيرته الأكاديمية وتجبره على التقاعد المبكر.
الظل السويسري: إدانة سابقة
لا تأتي محاكمة باريس من فراغ، بل تسبقها سابقة قضائية في سويسرا تزيد من تعقيد موقف رمضان القانوني. ففي عام 2024، أصدرت محكمة استأنف سويسرية حكماً بإدانته بتهمة الاغتصاب في قضية منفصلة تعود لعام 2008 في جنيف، وقضت بسجنه ثلاث سنوات (منها سنة نافذة). ورغم إعلان فريقه القانوني اللجوء للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إلا أن الحكم السويسري يلقي بظلاله الثقيلة على قضاة محكمة الجنايات في باريس.
تأثير القضية ومخاوف الدفاع
تُعتبر قضية طارق رمضان واحدة من أبرز تجليات حركة "مي تو" (Me Too) في فرنسا، حيث فتحت الباب لنقاشات واسعة حول العنف الجنسي واستغلال النفوذ الديني والفكري. وفي المقابل، يركز فريق الدفاع على الحالة الصحية لرمضان، مشيرين إلى إصابته بمرض التصلب المتعدد، معتبرين أن حالته قد لا تسمح بمثوله لفترات طويلة، ومشككين في الوقت ذاته في دوافع المدعيات وتوقيت الاتهامات.


