يشكل القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء اللبناني برئاسة الرئيس جوزيف عون، والقاضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ «حزب الله»، نقطة تحول مفصلية في مسار السياسة اللبنانية الحديثة. هذا القرار، الذي جاء في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، يتجاوز كونه رد فعل آني ليرتقي إلى مستوى الاستراتيجية الوطنية الهادفة لاستعادة هيبة الدولة وسيادتها الكاملة على أراضيها.
السياق التاريخي: من اتفاق الطائف إلى القرارات الدولية
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن الخلفية التاريخية المعقدة للعلاقة بين الدولة اللبنانية والسلاح غير الشرعي. فمنذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، الذي نص صراحة على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها للدولة، بقي ملف سلاح «حزب الله» الاستثناء الوحيد الذي نما وتوسع خارج إطار المؤسسات الرسمية. كما يأتي هذا التحرك الحكومي استجابة متأخرة ولكن حاسمة لمندرجات القرارات الدولية، وتحديداً القرارين 1559 و1701، اللذين طالما شكلا مظلة الشرعية الدولية للمطالبة بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية.
الأبعاد السياسية والرسائل الدولية
يكتسب قرار مجلس الوزراء أهميته القصوى من توقيته ومضمونه؛ فهو يمثل رسالة واضحة من «لبنان الرسمي» إلى المجتمع الدولي والدول المانحة. ففي ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة، بات من الواضح أن أي دعم مالي أو سياسي لإنقاذ لبنان مشروط باستعادة الدولة لقرارها السيادي في السلم والحرب. من خلال حصر الأنشطة العسكرية بالمؤسسات الرسمية، تعيد الحكومة اللبنانية تقديم نفسها كشريك موثوق قادر على الالتزام بالتعهدات الدولية، مما يمهد الطريق لفك العزلة العربية والدولية التي عانى منها لبنان لسنوات بسبب ازدواجية السلطة.
تحديات التنفيذ واختبار الدولة
على الرغم من الترحيب السياسي الواسع بالقرار، فإن العبرة تكمن في آليات التنفيذ على أرض الواقع. يضع هذا القرار الرئيس جوزيف عون والحكومة مجتمعة أمام اختبار تاريخي: هل تنجح السلطة التنفيذية في ترجمة هذا الحظر إلى إجراءات ميدانية ملموسة؟ إن الانتقال من مرحلة «إدارة التوازنات» إلى مرحلة «فرض القانون» يتطلب تماسكاً داخلياً وغطاءً سياسياً صلباً للمؤسسات الأمنية، لضمان عدم انزلاق البلاد نحو توترات داخلية، ولتأكيد أن الدولة هي المرجعية الوحيدة والنهائية لجميع اللبنانيين.
ختاماً، لم يعد قرار حظر الأنشطة العسكرية خارج إطار الدولة مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وجودية للحفاظ على الكيان اللبناني. إن نجاح هذا المسار سيؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار المستدام، بينما قد يؤدي الفشل في تطبيقه إلى تكريس واقع الدويلات وتآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة.


