spot_img

ذات صلة

حرب التزييف العميق: الذكاء الاصطناعي يشعل الصراع الإيراني

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة أو الهجمات السيبرانية التقليدية التي تستهدف البنية التحتية فحسب، بل فرض الذكاء الاصطناعي نفسه كلاعب رئيسي في ساحة معركة جديدة تعتمد على «كي الوعي» وتزييف الواقع. في الصراع الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي المتصاعد، تحول الفضاء الرقمي إلى جبهة مشتعلة، حيث تتشكل الروايات وتنتشر بسرعة تفوق سرعة الصواريخ، ممتدة بتأثيراتها المقلقة إلى دول الخليج والمنطقة بأسرها.

تطور الحروب من الميدان إلى الشاشات

تاريخياً، كانت الدعاية الحربية جزءاً لا يتجزأ من النزاعات، لكن ما يشهده العالم اليوم يمثل نقلة نوعية خطيرة. فمع تطور خوارزميات التعلم الآلي، أصبح توليد مقاطع الفيديو والصور المزيفة (Deepfakes) متاحاً وسهلاً، مما خلق بيئة خصبة للتضليل. هذه التقنيات لا تهدف فقط إلى خداع الجمهور، بل تسعى لإرباك صناع القرار وإثارة الفوضى الاجتماعية، وهو ما يُعرف عسكرياً بـ«حروب الجيل الخامس» التي تستهدف العقول قبل الجيوش.

خلال هذه المرحلة الحرجة، تحولت مقاطع التزييف العميق والصور المولدة والمشاهد المعاد تدويرها إلى أسراب رقمية مثيرة للقلق، تنتشر قبل أن تُفحص، وتؤثر قبل أن تُفنَّد. وفي هذا السياق، وثّقت مجلة WIRED (المعنية بالتحليل التقني) موجة تضليل واسعة على منصة «X» عقب إعلان العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، شملت مئات المنشورات الرائجة؛ من بينها مقاطع قديمة أُعيد نسبها للحظة الراهنة، وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، ولقطات ألعاب فيديو قُدّمت على أنها مشاهد قصف حقيقية ومظاهرات فوضوية، وبعضها صادر عن حسابات موثّقة مدفوعة.

حرب المعلومات والذكاء الاصطناعي

أرقام مقلقة: 200 حادثة تزييف وملايين المشاهدات

تُظهر البيانات حجم الكارثة المعلوماتية؛ فخلال تصاعد نزاع إسرائيل-إيران في يونيو 2025 الماضي، دخل مقطعان مولّدان ومزيفان قائمة أكثر 15 فيديو مشاهدة عن إيران على «تيك توك» خلال أسبوع واحد، فيما جمعت 3 مقاطع أخرى أكثر من 100 مليون مشاهدة عبر منصات متعددة. دلالة الأرقام واضحة: حتى إن جرى التكذيب لاحقاً، فإن الأثر النفسي والسياسي يكون قد تحقق بالفعل.

كما كشفت NewsGuard عن وجود 2,089 موقعاً إخبارياً يعتمد على محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي دون إفصاح، ما يسهّل إعادة تدوير الشائعات في هيئة «خبر منشور» يُستشهد به لاحقاً. ونقلت وكالة Associated Press عن تقرير لمايكروسوفت تسجيل أكثر من 200 حادثة محتوى مزيف مولّد بالذكاء الاصطناعي خلال 2024–2025، بزيادة تتجاوز الضعف مقارنة بالعام السابق.

الاستجابة الخليجية: تحصين الجبهة الداخلية

أمام هذا الطوفان الرقمي، أدركت دول الخليج مبكراً أن الأمن المعلوماتي لا يقل أهمية عن الأمن الحدودي. صدرت تحذيرات رسمية خليجية متزامنة تعكس إدراكاً رسمياً لخطورة الجبهة المعلوماتية ومخاطر تصديقها وترويجها. نبهت وزارة الداخلية السعودية إلى ضرورة التثبت من المعلومات المتداولة عبر المنصات الرقمية، وعدم الانسياق خلف مواقع أو حسابات مجهولة، والاعتماد حصراً على القنوات الرسمية المعتمدة.

وفي سياق متصل، وفي 2 مارس 2026، حذّرت شرطة دبي من محتالين ينتحلون صفة موظفين في «إدارة الأزمات» للحصول على بيانات UAE Pass، مؤكدة أن الجهات الرسمية لا تطلب رموز التحقق أو البيانات السرية عبر الهاتف أو الرسائل. كما أكدت جهات أمنية في البحرين، ضمن حملات التوعية السيبرانية المستمرة، ضرورة عدم مشاركة البيانات الشخصية أو إعادة نشر محتوى غير موثوق في أوقات الأزمات.

مخاطر التزييف العميق

مستقبل الصراعات: الحقيقة هي الضحية الأولى

تُظهر هذه المعطيات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل عامل مؤثر في إدارة الصراعات وصناعة الإدراك العام. ومع تسارع إنتاج المحتوى المولّد وتضاعف انتشاره، يصبح التحقق الفردي والرجوع إلى البيانات الرسمية جزءاً من منظومة الأمن المعلوماتي الخليجي. فالمعركة في زمن الأزمات لا تُقاس فقط بما يجري على الأرض، بل بما يُنشر على الشاشة، مما يفرض تحديات قانونية وأخلاقية جديدة على المجتمع الدولي لضبط استخدام هذه التقنيات في النزاعات المسلحة.

spot_imgspot_img