spot_img

ذات صلة

علاج حرقة المعدة وارتجاع المريء في رمضان: نصائح طبية

أعراض ارتجاع المريء وحرقة المعدة في رمضان

مع حلول شهر رمضان المبارك، يواجه العديد من الصائمين تحديات صحية تتعلق بالجهاز الهضمي، أبرزها ظاهرة «حرقة ما بعد الإفطار» أو ارتجاع المريء (GERD). وتتمثل هذه الحالة في رجوع جزء من حمض المعدة إلى المريء، مما يسبب شعوراً مؤلماً بالحرقان خلف عظمة الصدر، وغالباً ما يرتبط ذلك بتغيرات مفاجئة في العادات الغذائية وتوقيت الوجبات. ورغم أن الصيام يمثل فرصة ذهبية لإراحة الجهاز الهضمي وتنقية الجسم، إلا أن السلوكيات الخاطئة لحظة الإفطار قد تقلب المعادلة، محولةً ساعات المساء إلى معاناة مستمرة مع الحموضة وعسر الهضم.

السياق الطبي والفسيولوجي لارتجاع المريء

لفهم طبيعة هذه المشكلة، يجب النظر إلى الآلية الفسيولوجية للجسم؛ حيث يفصل بين المريء والمعدة صمام عضلي يُعرف بـ «المصرة المريئية السفلى». في الوضع الطبيعي، يفتح هذا الصمام لمرور الطعام ثم يغلق بإحكام لمنع عودة العصارة الهضمية الحارقة. تاريخياً وطبياً، يُعرف أن فترات الانقطاع الطويل عن الطعام ثم تناول وجبات دسمة ومفاجئة تُحدث صدمة للمعدة، مما يؤدي إلى زيادة الضغط الداخلي وارتخاء هذا الصمام، وهي ظاهرة لا تقتصر على رمضان فحسب، بل تُرصد عالمياً في مواسم الأعياد والاحتفالات التي تتضمن ولائم كبيرة.

لماذا تزداد الأعراض في رمضان؟ رأي الخبراء

في حديث لـ «عكاظ»، أوضح استشاري الجهاز الهضمي والمناظير الدكتور عمر الحصيني أن الارتجاع المعدي المريئي يعد من أكثر الاضطرابات شيوعاً خلال الشهر الفضيل. ويعزو الحصيني السبب الرئيسي إلى «الارتخاء اللحظي للصمام السفلي للمريء»، الذي قد يتكرر بشكل مرضي لدى البعض، خاصة مع امتلاء المعدة المفرط، وزيادة الوزن، وتناول الوجبات الدسمة التي تبطئ عملية الهضم.

وتتفاقم المشكلة بسبب نوعية المائدة الرمضانية؛ حيث تؤدي المقليات، والحلويات الغنية بالدهون، والمشروبات الغازية، والتدخين المباشر بعد الإفطار إلى إضعاف كفاءة الصمام. كما يلعب «الخمول» دوراً حاسماً، إذ يلجأ الكثيرون للنوم أو الاستلقاء أمام التلفاز مباشرة بعد الأكل، مما يلغي تأثير الجاذبية الأرضية الذي يساعد في بقاء الطعام داخل المعدة.

التشخيص الدقيق: ما وراء الشعور بالحرقة

يشير الأطباء إلى أن الفهم العلمي للارتجاع قد تطور، ولم يعد يُنظر إليه كحالة واحدة. يوضح الدكتور الحصيني أهمية التفريق بين الارتجاع المرضي الحقيقي (زيادة كمية الحمض)، وفرط حساسية المريء (تأثر المريء بكميات حمض طبيعية)، واضطراب الحموضة الوظيفي. يتم التشخيص الدقيق عبر مناظير المعدة وقياس الحموضة لمدة 24 ساعة، خاصة عند ظهور «علامات تحذيرية» مثل صعوبة البلع، فقر الدم، أو فقدان الوزن غير المبرر.

التأثيرات الصحية ونمط الحياة

لا تتوقف آثار ارتجاع المريء عند حدود الألم الجسدي، بل تمتد لتؤثر على جودة حياة الصائم وأدائه للعبادات. فالشعور المستمر بالحرقة والانتفاخ قد يعيق القدرة على أداء صلاة التراويح بخشوع، ويسبب اضطرابات في النوم تؤثر على النشاط في اليوم التالي. وإذا أهملت الحالة وتحولت إلى مزمنة دون علاج، فقد تؤدي على المدى الطويل إلى مضاعفات خطيرة مثل التهاب المريء المزمن أو تغيرات في بطانة المريء.

استراتيجيات الوقاية والعلاج

يتفق الخبراء، ومنهم استشارية طب الأسرة الدكتورة شذى الزهير واستشاري الجهاز الهضمي الدكتور ناصر الهيّاف، على أن تعديل نمط الحياة هو خط الدفاع الأول. وتشمل التوصيات الطبية ما يلي:

  • التدرج في الإفطار: البدء بالماء والتمر أو الشوربة لتهيئة المعدة، ثم أخذ استراحة للصلاة قبل تناول الوجبة الرئيسية.
  • تقسيم الوجبات: استبدال الوجبة الواحدة الثقيلة بوجبتين أو ثلاث وجبات خفيفة موزعة بين الإفطار والسحور.
  • تجنب المهيجات: التقليل من المقليات، الأطعمة الحارة، الكافيين، والمشروبات الغازية.
  • وضعية النوم: التوقف عن الأكل قبل النوم بساعتين إلى ثلاث ساعات، ورفع مستوى الرأس أثناء النوم، ويفضل النوم على الجانب الأيسر لتقليل الارتجاع ميكانيكياً.
  • العلاج الدوائي: استخدام مثبطات مضخة البروتون (مثل Omeprazole) قبل الإفطار بنصف ساعة بعد استشارة الطبيب، لتقليل إفراز الحمض وتهيئة المعدة.

إن الوعي بهذه الممارسات يحول رمضان من شهر للمعاناة الهضمية إلى فرصة حقيقية لتبني عادات صحية مستدامة، تضمن صياماً مريحاً وصحة أفضل للجهاز الهضمي.

spot_imgspot_img