spot_img

ذات صلة

بئر العهن بالمدينة: قصة بئر توضأ منها الرسول وسماها اليسيرة

بئر العهن في المدينة المنورة

تزخر المدينة المنورة بالعديد من المعالم التاريخية والأثرية التي ارتبطت بالسيرة النبوية العطرة، وشهدت أحداثاً ومواقف جمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- بصحابته الكرام. ومن بين هذه المعالم البارزة «بئر العهن»، التي تعد شاهداً حياً على منهج النبي في التفاؤل وتغيير الأسماء ذات الدلالات السلبية إلى أخرى تحمل البشارة واليسر.

قصة تغيير الاسم من العسرة إلى اليسيرة

عُرفت هذه البئر قديماً باسم «بئر العسرة»، وهو اسم يحمل دلالة المشقة والصعوبة، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم-، انطلاقاً من حبه للفأل الحسن وكراهته للأسماء المنفرة، أطلق عليها اسم «اليسيرة». وقد ورد في «الطبقات الكبرى» لابن سعد عن عمر بن أبي سلمة أن النبي سماها بهذا الاسم المبارك. كما روى ابن شبّة عن محمد بن حارثة الأنصاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى بئر بني أمية بن زيد (وهي بئر العهن)، فبرّك عليها، وتوضأ منها، وبصق فيها، فكانت مياهها بعد ذلك مباركة وعذبة.

الموقع الجغرافي والمواصفات المعمارية

تقع بئر اليسيرة في منطقة «العالية» بالمدينة المنورة، وتحديداً في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد النبوي الشريف، حيث تبعد عنه مسافة تقارب الأربعة كيلومترات. كما تتميز بموقعها القريب من مسجد قباء، أول مسجد أُسس في الإسلام، إذ تقع على بعد كيلومتر واحد فقط إلى الشرق منه. وقد حُفرت البئر ببراعة في الصخر الصلب، وطويت بحجارة البازلت السوداء المتناسقة التي تشتهر بها حرات المدينة، ويبلغ قطر فوهتها حوالي 3.5 متر، مما يدل على مهارة البناء في تلك الحقبة.

الأهمية التاريخية لآبار المدينة

لا تقتصر أهمية بئر العهن على قصتها المباشرة فحسب، بل تأتي ضمن سياق تاريخي أوسع يتعلق باهتمام المسلمين الأوائل بمصادر المياه. فقد كانت الآبار في المدينة المنورة، مثل بئر رومة وبئر غرس وبئر أريس، تمثل شرايين الحياة للمجتمع المدني، ومحطات استراحة للمسافرين والقوافل، ومواقع للوضوء والتطهر. وتكتسب هذه الآبار اليوم أهمية ثقافية وسياحية كبرى، حيث يقصدها الزوار والباحثون في التاريخ الإسلامي للوقوف على الآثار التي لامستها يد النبي الكريم أو مر بها، مما يعزز الارتباط الوجداني بالتراث الإسلامي.

تعاقب الملكية والحالة الراهنة

على مر العصور، انتقلت ملكية البئر بين عدة عائلات، مما ساهم في حفظ تاريخها وتوثيقه. كانت البئر في الأصل لبني أمية بن زيد من الأنصار، ثم انتقلت ملكيتها بالشراء إلى علي العمري، ومنه آلت إلى آل شدقم من الأشراف. وفي فترات لاحقة، انتقلت إلى أولاد علي بن حسن الدمشقي الحسيني، لتستقر أخيراً كوقف لآل البرزنجي، وذلك وفقاً لما وثقته موسوعة معالم المدينة المنورة. ورغم أن البئر تُعد اليوم معطلة ومهجورة من حيث ضخ المياه، إلا أنها تظل معلماً ينبض بالتاريخ، وجزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمدينة المنورة.

spot_imgspot_img