رسمياً.. تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران
في تحول تاريخي ومفصلي يشهده النظام السياسي في طهران، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران رسمياً تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للبلاد، ليصبح بذلك الشخصية الثالثة التي تجلس على هذا الكرسي منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979. جاء هذا القرار الحاسم خلفاً لوالده، علي خامنئي، الذي قُتل في غارة أمريكية إسرائيلية قبل أسبوع، وسط إجراءات أمنية مشددة وتسارع ملحوظ في وتيرة المشاورات داخل دوائر صنع القرار.
السياق العام والخلفية التاريخية للحدث
يُعد منصب “المرشد الأعلى” أعلى سلطة سياسية ودينية وعسكرية في إيران، حيث أسسه آية الله روح الله الخميني. وبعد وفاته عام 1989، تولى علي خامنئي المنصب ليقود البلاد لعقود. واليوم، يأتي اختيار مجتبى خامنئي من قبل مجلس خبراء القيادة – وهو الهيئة الدستورية المكونة من 88 رجل دين والمكلفة باختيار المرشد وعزله – ليمثل سابقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. يثير انتقال السلطة من الأب إلى الابن جدلاً واسعاً حول تحول النظام إلى شكل يشبه التوريث، وهو ما كان يعارضه قادة ثورة 1979 التي أطاحت بالنظام الملكي البهلوي.
من هو مجتبى خامنئي؟ صعود من الظل إلى قمة السلطة
وُلد مجتبى حسيني خامنئي في 8 سبتمبر 1969 في مدينة مشهد بشمال شرق إيران، وهو الابن الثاني للمرشد الراحل من بين ستة أبناء. تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة “علوي” الدينية في طهران. ورغم أنه لم يبرز كمرجع ديني بارز داخل المؤسسة الحوزوية، حيث يُصنف عادة ضمن رجال الدين من الرتبة المتوسطة، إلا أنه يتمتع بنفوذ سياسي وأمني هائل.
ارتبط مجتبى مبكراً بالمؤسسة العسكرية، حيث التحق بصفوف الحرس الثوري وشارك في الجبهات حتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988). وفي أواخر التسعينيات، وتحديداً عام 1999، اتجه إلى المسار الديني والتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم. وعلى مدار سنوات، لعب أدواراً محورية ومؤثرة داخل مكتب المرشد الأعلى، مستنداً إلى شبكة علاقات واسعة داخل الحرس الثوري ودوائر رجال الدين المحافظين، ليعمل كوسيط سياسي وأمني غير معلن لتمرير توجهات والده.
نفوذ متصاعد ودور أمني مثير للجدل
برز اسم مجتبى خامنئي بشكل لافت عقب الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2005، حيث اتهمته قوى معارضة بالتدخل في مسار العملية الانتخابية لصالح التيار المتشدد. كما أشارت تقارير متعددة إلى دوره البارز في إدارة الحملات الأمنية التي أعقبت الاحتجاجات المرتبطة بنتائج بعض الاستحقاقات الانتخابية، لا سيما احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009.
خلال تلك الفترة، ساهم مجتبى في توسيع جهاز استخبارات الحرس الثوري الخاضع لإشراف مكتب المرشد الأعلى، ليصبح منافساً فعلياً لوزارة الاستخبارات الحكومية، في خطوة عكست إعادة ترتيب موازين القوة داخل مؤسسات الدولة لصالح الجناح الأكثر تشدداً.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع محلياً وإقليمياً ودولياً
على الصعيد المحلي: يفتح هذا التعيين فصلاً جديداً في هرم السلطة الإيرانية. ومن المتوقع أن يعزز مجتبى خامنئي قبضة الحرس الثوري والتيار المحافظ على مفاصل الدولة، مما قد يؤدي إلى تهميش أكبر للتيارات الإصلاحية والمعتدلة، وربما يثير موجات من التململ الداخلي بسبب طبيعة انتقال السلطة.
على الصعيد الإقليمي: يأتي تولي مجتبى في ظل توترات إقليمية غير مسبوقة. ومن المرجح أن يواصل المرشد الجديد استراتيجية والده في دعم ما يُعرف بـ “محور المقاومة”، والحفاظ على النفوذ الإيراني في المنطقة، مما ينذر باستمرار أو تصاعد المواجهات بالوكالة مع إسرائيل وحلفائها.
على الصعيد الدولي: أثار التغيير القيادي في طهران ردود فعل دولية متباينة. فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مقابلة مع شبكة ABC News بأن المرشد الإيراني المقبل “لن يستمر طويلاً” ما لم يحصل على موافقة واشنطن، مشدداً على ضرورة حسم ملف برنامج إيران النووي. في المقابل، رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه التصريحات، واصفاً إياها بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية، ومؤكداً أن اختيار القيادة الإيرانية “مسألة سيادية لا تقبل الإملاءات الخارجية”.


