مقدمة: تحول استراتيجي في مسار المواجهة
يشهد الشرق الأوسط تحولات جذرية في مسار الصراع الدائر، حيث كشفت أحدث الإحصاءات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عن تغير ملحوظ وجوهري في وتيرة الضربات العسكرية الموجهة ضد إيران. وقد أظهرت البيانات انتقال مركز ثقل الهجمات بشكل واضح من القوات الأمريكية إلى القوات الإسرائيلية، التي شنت في الأيام الأخيرة العدد الأكبر من الهجمات. يأتي هذا التصعيد في وقت حساس، ليعكس مخاوف عميقة داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل من احتمالية تدخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لوقف العمليات العسكرية، تحت وطأة ضغوط الرأي العام الأمريكي.
السياق التاريخي لحرب الظل والمواجهة المباشرة
تاريخياً، اتسمت العلاقات الإسرائيلية الإيرانية بما يُعرف بـ “حرب الظل” طويلة الأمد، والتي شملت هجمات سيبرانية، واغتيالات، وضربات متبادلة عبر وكلاء في المنطقة. إلا أن المشهد الحالي يعكس انتقالاً غير مسبوق نحو المواجهة العسكرية المباشرة والمكشوفة. وتلعب السياسة الداخلية الأمريكية دائماً دوراً حاسماً في تحديد مسار وتوقيت الصراعات في الشرق الأوسط، حيث تسعى إسرائيل عادةً إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب الاستراتيجية قبل أي تغير محتمل في الإدارة الأمريكية قد يفرض قيوداً على حريتها العسكرية.
تباين الأرقام: من القيادة الأمريكية إلى المبادرة الإسرائيلية
في تفاصيل التقرير الذي استندت إليه صحيفة «يديعوت أحرونوت»، برز تباين واضح في الأداء العسكري. خلال الأيام الخمسة الأولى من اندلاع المواجهة، تولت القوات الأمريكية زمام المبادرة، حيث نفذت أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الضربات مقارنة بإسرائيل. واستهدفت واشنطن في تلك الفترة نحو 2000 هدف داخل إيران، مقابل حوالي 600 ضربة إسرائيلية.
ولكن، بعد مرور أسبوع وإعلان الجانبين الانتقال إلى «المرحلة التالية» من العملية، انعكس الاتجاه تماماً. فقد ضاعفت القوات الإسرائيلية هجماتها لتصل إلى نحو ثلاثة أضعاف الضربات الأمريكية، مستهدفة حوالي 2800 هدف مقارنة بنحو 1000 ضربة أمريكية. وبشكل إجمالي منذ بدء العملية، هاجمت الولايات المتحدة نحو 3000 هدف في إيران، بينما نفذت إسرائيل حوالي 3400 ضربة داخل الأراضي الإيرانية، بالإضافة إلى استهداف نحو 600 هدف في لبنان.
دوافع التصعيد: مخاوف سياسية وقيود لوجستية
تُعزى هذه الزيادة الإسرائيلية المكثفة إلى عدة عوامل استراتيجية وسياسية. من أبرز هذه العوامل، وفقاً لمصادر إسرائيلية، هي المخاوف من إمكانية إيقاف ترمب للعملية العسكرية استجابة للرأي العام في الولايات المتحدة، مما دفع المسؤولين الإسرائيليين إلى إدراك أهمية تعظيم المكاسب العملياتية بسرعة فائقة. من جهة أخرى، حافظت الولايات المتحدة على وتيرتها العملياتية الأولى، وهو ما أرجعته المصادر إلى قيود لوجستية تتعلق بإمدادات الذخيرة ومخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية التي يجب الحفاظ عليها تحسباً لأي طوارئ عالمية أخرى.
خلافات جوهرية حول بنك الأهداف وتداعياتها الإقليمية
لم يقتصر التغير على وتيرة الهجمات فحسب، بل امتد ليشمل خلافات استراتيجية عميقة بين واشنطن وتل أبيب. كشف موقع «أكسيوس» عن أول خلاف كبير بين الحليفين بشأن الأهداف في طهران، وذلك عندما استهدفت الضربات الإسرائيلية 30 مستودع وقود في إيران، وهو ما تجاوز التوقعات الأمريكية بكثير.
تنبع المخاوف الأمريكية من أن استهداف بنية تحتية حيوية يستخدمها المدنيون قد يؤدي إلى نتائج عكسية استراتيجياً؛ فمن شأن ذلك أن يدفع المجتمع الإيراني للالتفاف حول نظامه، فضلاً عن التأثير الدولي المتمثل في دفع أسعار النفط العالمية نحو الارتفاع، مما يضر بالاقتصاد العالمي. ورغم إبلاغ الجيش الإسرائيلي لنظيره الأمريكي مسبقاً بهذه الضربات، إلا أن مسؤولاً أمريكياً صرح بأن واشنطن فوجئت باتساع نطاقها، معتبراً أنها لم تكن “فكرة جيدة”، وموجهاً رسالة استنكار واضحة لتل أبيب مفادها: «ما هذا؟».
التأثير المتوقع للحدث
يحمل هذا التصعيد والخلاف المصاحب له تأثيرات بالغة الأهمية. محلياً، يضع القيادة الإسرائيلية تحت ضغط تحقيق أهداف الحرب بسرعة. إقليمياً، ينذر بتوسيع رقعة الصراع وجر المنطقة إلى حرب استنزاف شاملة قد تتدخل فيها أطراف أخرى. أما دولياً، فإن استمرار استهداف منشآت الطاقة يضع أسواق النفط العالمية في حالة ترقب وقلق، مما يضغط على الإدارة الأمريكية الحالية والمستقبلية لإيجاد تسوية سريعة تمنع خروج الأمور عن السيطرة.


