في خطوة مفاجئة ومثيرة للجدل، أبلغ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب الكونغرس بأن «الحرب مع إيران انتهت»، وذلك في محاولة واضحة لاحتواء الجدل القانوني المتصاعد حول ضرورة الحصول على تفويض تشريعي لمواصلة العمليات العسكرية. هذه الخطوة، التي كشف عنها موقع «بوليتيكو»، تأتي في سياق معقد من التوترات المستمرة بين واشنطن وطهران، وتلقي بظلالها على مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية.
جذور التوتر: خلفية تاريخية للعلاقات الأمريكية الإيرانية
تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية مليء بالتقلبات والتوترات التي تعود لعقود مضت، وتحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط الشاه المدعوم أمريكياً. شهدت العلاقات فترات من العداء المباشر وغير المباشر، وتصاعدت حدة التوتر بشكل كبير مع برنامج إيران النووي وتدخلاتها الإقليمية. في عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) بين إيران والقوى العالمية، والذي كان يهدف إلى كبح البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. إلا أن وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة الأمريكية في عام 2017 قلب الطاولة، حيث انسحب من الاتفاق في عام 2018 وأعاد فرض سياسة «الضغط الأقصى» على طهران، مما أدى إلى تصعيد غير مسبوق شمل حوادث استهداف ناقلات النفط، وإسقاط طائرات مسيرة، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وردود إيرانية استهدفت قواعد أمريكية في العراق. هذه الأحداث خلقت بيئة متوترة للغاية، ودفعت بالعديد من الأصوات داخل الكونغرس الأمريكي للمطالبة بوضع حد لصلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية دون موافقة تشريعية.
إعلان «انتهاء الحرب»: مناورة قانونية أم تحول استراتيجي؟
أوضح البيت الأبيض، في رسالة إخطار، أن الإدارة تعتبر وقف إطلاق النار مع طهران بمثابة وسيلة لإيقاف «الساعة القانونية» المرتبطة بمهلة الـ60 يوماً، والتي تفرض وقف العمليات العسكرية ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً رسمياً باستخدام القوة. جاءت هذه الخطوة في توقيت حرج، مع بلوغ النزاع في الشرق الأوسط ذروته، وتزايد الضغوط داخل الكونغرس، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية دون استراتيجية خروج واضحة. يسعى ترمب من خلال هذا الإعلان إلى احتواء المعركة السياسية الداخلية في «الكابيتول هيل»، حيث واجه احتمالية تراجع دعم بعض الجمهوريين، إلى جانب اعتراضات الديمقراطيين الذين رأوا أن الإدارة ملزمة بإنهاء الحملة العسكرية فور بلوغ المهلة القانونية.
يرى منتقدو البيت الأبيض أن تفسير «وقف إطلاق النار» كبديل عن التفويض التشريعي لا ينسجم مع نصوص القانون، وقد يفتح الباب أمام مواجهة دستورية جديدة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وأكد ترمب في رسالته أنه «لم يحدث أي تبادل لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران منذ فترة معينة»، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار الذي تم تمديده «لأجل غير مسمى» يعني أن «الأعمال العدائية التي بدأت في فترة سابقة قد انتهت».
تداعيات إعلان ترمب: التأثير على المشهد الإقليمي والدولي
إن إعلان «انتهاء حرب إيران» يحمل تداعيات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي. على المستوى الإقليمي، قد يؤثر هذا الإعلان على ديناميكيات الصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق، حيث تتنافس الولايات المتحدة وإيران على النفوذ. كما أنه قد يبعث برسائل متباينة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية وإسرائيل، الذين يراقبون عن كثب أي تحول في السياسة الأمريكية تجاه طهران. دولياً، قد يؤثر هذا الإعلان على جهود القوى الأوروبية لإحياء الاتفاق النووي، وعلى الاستقرار في أسواق النفط العالمية. كما أنه يثير تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بمسار دبلوماسي شامل لحل القضايا العالقة مع إيران، بدلاً من الاعتماد على الضغط العسكري فقط.
مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية: طريق مسدود أم فرصة دبلوماسية؟
تأتي هذه التطورات في ظل تعثر المفاوضات واستمرار الحصار العسكري على المنشآت الإيرانية. وكشف ترمب، قبل مغادرته البيت الأبيض إلى فلوريدا، أنه قدم «مقترحاً نهائياً» لطهران، لكنه أبدى تشاؤمه إزاء إمكانية التوصل إلى اتفاق، واصفاً الحكومة الإيرانية بأنها «غير متجاوبة». وقال: «أحرزوا بعض التقدم، لكنني لست متأكداً من أنهم سيصلون إلى اتفاق.. يريدون إبرام صفقة، لكنني لست راضياً». هذا التصريح يعكس حالة الجمود التي سادت المفاوضات، ويشير إلى أن إعلان «انتهاء الحرب» قد يكون محاولة لتغيير قواعد اللعبة أو لتهدئة الأوضاع الداخلية، دون أن يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في نهج الإدارة الأمريكية تجاه تحديات العلاقات الأمريكية الإيرانية المعقدة.


