
يتناول المفكر الدكتور محمد الشايع التوجيه النبوي الكريم حول تراحم أهل الإيمان، مستلهماً أبعاد حديث «ليسَ منَّا من لَم يَرحَمْ صغيرَنا، ويعرِفْ حَقَّ كَبيرِنا». ويقدم الشايع قراءة متعمقة من منظور اجتماعي ونفسي، ترتكز على فن التعامل الشرعي والعقلي والروحي مع البالغين سن الستين عاماً فما فوق. وتُعد هذه المرحلة العمرية من أكثر المحطات الإنسانية حساسية، فهي ليست مجرد تحول بيولوجي طبيعي، بل تمثل انعطافات سيكوسوسيولوجية (نفسية واجتماعية) عميقة تتراكم فيها الخبرات وتُغلق فيها دوائر العطاء المهني الطويلة. ومن هنا، يبزغ مفهوم «العمر الماسي»، وهو مصطلح لا يشير إلى الندرة فحسب، بل يعكس القيمة الجوهرية والعمق الإنساني للفرد الذي أمضى عقوداً في بناء ذاته، وتطوير مهاراته، ومواجهة ضغوط الحياة، متجاوزاً تحديات الاحتراق الوظيفي لضمان استقرار عائلته.
السياق العام والمكانة التاريخية لكبار السن
تاريخياً، لطالما احتلت رعاية كبار السن مكانة مركزية في الثقافة العربية والإسلامية، حيث يُنظر إلى كبار السن على أنهم بركة المنازل ومصدر الحكمة. وقد جاءت التشريعات الإسلامية لتؤكد على حقوقهم، جاعلة من بر الوالدين ورعايتهما في الكبر من أسمى العبادات. وفي السياق المعاصر، تتزايد أهمية هذه القيم مع التحولات الاجتماعية السريعة التي قد تهمش دور المسن. إن تسليط الضوء على هذه الفئة يعيد التذكير بالأصالة الثقافية التي ترفض عزل المسنين، وتدعو إلى دمجهم في النسيج الأسري بكرامة واحترام، وهو ما يتجلى بوضوح في المواسم الروحانية كشهر رمضان المبارك.
الأبوان وتأسيس الأمان الأسري
يلفت الدكتور الشايع الانتباه إلى الدور المحوري الذي يلعبه الأبوان في تحقيق الأمان الأسري، حيث يشكلان ثنائياً صامداً يقدم الدعم النفسي، العاطفي، والمالي لبناء أفراد صالحين دون انتظار مقابل. ورغم التضحيات الكبيرة التي قد يقلل بعض الأبناء من شأنها لاحقاً، يعتبرها الأبوان استثماراً حقيقياً في سعادة أبنائهم. ويؤكد الشايع أنه ليس من العدالة الإنسانية، بعد كل هذا العطاء، أن يُطالب المسن بمزيد من التبرير أو المحاسبة، أو أن يُزج به في صراعات أسرية تفضي إلى وصاية تشل كرامته وتصادر سكينته وهدوءه.
أهمية الرعاية وتأثيرها المحلي والدولي
على المستوى المحلي والإقليمي، تتماشى هذه الرؤية الإنسانية مع المبادرات الوطنية الحديثة، مثل برامج جودة الحياة ضمن رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تحسين مستوى المعيشة وتوفير بيئة داعمة لكبار السن تضمن استقلاليتهم ومشاركتهم المجتمعية. أما على الصعيد الدولي، فإن الاهتمام بـ «العمر الماسي» يتوافق مع تقارير منظمة الصحة العالمية التي تحذر من تزايد معدلات العزلة والاكتئاب بين كبار السن، وتدعو إلى تبني سياسات تعزز «الشيخوخة النشطة والصحية». إن توفير بيئة نفسية آمنة للمسن ينعكس إيجاباً على تماسك المجتمع بأسره، ويقلل من الأعباء الصحية والنفسية على أنظمة الرعاية.
الوصاية والتلوث النفسي في رمضان
يرى الشايع أن شهر رمضان المبارك، بكثافته الروحية وإيقاعه التعبدي، يمثل فرصة ذهبية لتأطير «العمر الماسي» كاستحقاق وجودي للهدوء. ومع ذلك، يحذر من أن فلسفة الإدارة الاجتماعية داخل بعض الأسر قد تتحول عن غير قصد إلى مصدر لـ «التلوث النفسي» عبر فرض وصاية غير مبررة. يتجلى هذا فيما يُعرف بـ «العنف النفسي الناعم»، حيث يُتوقع من الكبير عطاء لا محدود، أو يُستدعى رأيه كإجراء شكلي (ديكور بروتوكولي) دون اعتباره مرجعية حقيقية. إن الإدارة الأسرية الرشيدة في رمضان يجب ألا تقوم على مركزية القرار، بل على توزيع متوازن للأدوار يصون الطاقة النفسية للمسن ويحميه من الاستنزاف الذهني.
الاستقلالية، الطمأنينة، وسيادة القرار
يضيف الدكتور الشايع أن الزواج وحده قد لا يكون ضمانة مطلقة للطمأنينة ما لم يتوفر الاستقرار الداخلي. وهنا تبرز أهمية الصداقات العميقة والروابط الاجتماعية الآمنة كملاذ حقيقي للسكينة. كما يظل الأمان المادي عنصراً حاسماً، فكفاية الموارد تضمن للمسن «سيادة القرار» وممارسة شعائره باقتدار. ويختتم بالتأكيد على أن الدفاع عن حق الكبير في الهدوء لا يعني عزله، بل منحه حق «التحكم في المسافة الاجتماعية»، ليقرر متى يحضر ومتى يعتذر. فالسكون في ليالي رمضان ليس انسحاباً، بل هو «امتلاء هادئ»، يمثل الصيغة الأنضج للسعادة بأن يعيش الإنسان ما تبقى من عمره بكرامة مصونة وسلام روحي متحرر من أي وصاية.


