spot_img

ذات صلة

محمد الغامدي: الصحافة تأكل أبناءها وتأملات في الإعلام

مقدمة: مسيرة إعلامية حافلة في بلاط صاحبة الجلالة

يُعد الصحفي محمد الغامدي واحداً من الأسماء الثقافية والإعلامية الوازنة في المشهد السعودي. لم يقتصر دوره على التغطيات الإخبارية، بل امتد ليشمل العمل في مؤسسات صحفية عريقة مثل صحيفة “عكاظ”، و”البلاد”، و”الشرق”، بالإضافة إلى إسهاماته البارزة في قطاع التواصل الحكومي. يتميز الغامدي بشغفه العميق بالقراءة والكتابة الاحترافية، حيث جمع بين كتابة الرواية والقصيدة الحديثة، متناولاً الشأن العام برؤية وطنية خالصة تعكس عمق تجربته وتاريخه الطويل.

السياق التاريخي: تحولات الصحافة السعودية والمعارك الثقافية

تاريخياً، شهدت الصحافة السعودية في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات تحولات جذرية ومعارك فكرية كبرى، أبرزها السجال الشهير بين تياري “الأصالة” و”الحداثة”. في تلك الفترة، لعبت الملاحق الثقافية في الصحف دوراً تنويرياً مهماً في تشكيل الوعي المجتمعي. يروي الصحفي محمد الغامدي كيف كانت صحيفة “الندوة” المكيّة تحمل لواء الأصالة، وكيف خاض نقاشات حادة في “مقهى الشربيني” بحي العزيزية في مكة المكرمة مع شخصيات ثقافية بارزة مثل محمد المفرجي ومحمد المليباري. كان هذا المقهى بمثابة صالون ثقافي مصغر لطلاب جامعة أم القرى، حيث كانت تُقرأ أمهات كتب التراث وتُناقش أشعار وإصدارات الدكتور غازي القصيبي، الذي كان يمثل منارة إشعاع فكري ورمزاً للتجديد لجيل كامل من الشباب السعودي.

ذكريات الطفولة وروحانية رمضان في مجتمع القرية

بعيداً عن صخب الصحافة والمعارك الفكرية، يحمل الغامدي حنيناً دافئاً لمجتمع القرية في الباحة، حيث كانت البساطة هي سيدة الموقف. يستذكر كيف كان الأطفال يصومون بدافع التحدي والمكايدة البريئة للإخوة الكبار، وكيف كانت مباريات كرة القدم تُقام في نهار رمضان الحار، ليروي اللاعبون عطشهم خلسة من “ماء الزير”. واليوم، يظل شهر رمضان بالنسبة له حالة روحانية وثقافية خاصة، يخصصها لقراءة القرآن الكريم وكتب التاريخ حصراً، معتبراً أن التاريخ يعيد نفسه ويلح عليه للتمسك بجذوره. كما يفتقد في هذا الشهر الفضيل والدته -رحمها الله- التي غابت عن مائدة الإفطار، تلك المائدة التي لا تكتمل إلا بالأطباق “الفرايحية” مثل الشوربة والسمبوسة التي تعزز البهجة وتجمع شمل العائلة.

الصحافة تأكل أبناءها: رؤية نقدية للإعلام الجديد

بعد سنوات طويلة من العطاء، يخرج الغامدي بخلاصة قاسية ومؤلمة عن “مهنة المتاعب”، واصفاً إياها بأنها “القطة التي تأكل أبناءها”. فرغم ما منحته الصحافة من مكانة وتأثير، إلا أنها استنزفت قواه العاطفية ووقته وجهده. وفي ظل ثورة الاتصالات الحالية، ينظر الغامدي إلى الإعلام الجديد بعين الناقد الخبير؛ فهو يقر بأن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت هيمنة الإعلام التقليدي، لكنه يحذر بشدة من الانحدار نحو الإثارة السطحية. يرى أن صانع المحتوى الحقيقي يجب أن يمتلك الموهبة، واللغة، والثقافة، منتقداً التركيز المعاصر على “الشكل” والصورة على حساب المضمون الرصين.

أهمية التجربة وتأثيرها المتوقع

تكتسب حوارات القامات الإعلامية مثل الصحفي محمد الغامدي أهمية بالغة على المستوى المحلي والإقليمي، فهي تمثل جسراً يربط بين جيل الرواد الذين أسسوا للصحافة الورقية الرصينة، وجيل الشباب المنخرط في الفضاء الرقمي السريع. إن تسليط الضوء على هذه التجارب يعزز من الوعي الثقافي، ويقدم دروساً مجانية في أهمية القراءة المتعمقة واللجوء إلى الشعر والفلسفة (كقراءة أرسطو والمتنبي وأبي فراس الحمداني) عند الشعور بالتيه، مؤكداً على ضرورة الحفاظ على الجوهر الثقافي في مواجهة طوفان المحتوى الاستهلاكي الخالي من المعنى.

spot_imgspot_img