
بمجرد أن يبدأ الشيخ أحمد نعينع تلاوته العطرة، يسود صمتٌ خاص في الأرجاء، وكأن الجميع يتهيأ لرحلةٍ إيمانية يعرف بدايتها ولا يعرف كيف سيخرج منها. فصوته العذب لا يمر عابراً على الآذان، بل يصنع حالةً روحانية كاملة يعيشها المستمع بين خشوع المعنى وجمال الأداء، مما يجعله واحداً من أبرز أعلام التلاوة في العصر الحديث.
النشأة والبدايات: من كفر الشيخ إلى دراسة الطب
وُلد الشيخ أحمد نعينع في مدينة مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، حيث أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة. وما يميز مسيرته أنه لم يكتفِ بالدراسات الدينية، بل التحق بكلية الطب في جامعة الإسكندرية. هذا الجمع الفريد بين العلوم الدنيوية والدينية منحه لقب “الطبيب القارئ”. خلال فترة دراسته الجامعية، برزت موهبته الفذة في التلاوة، وبدأ يشارك في المحافل الكبرى، ليثبت أن القرآن الكريم يمكن أن يكون رفيقاً للنجاح العلمي والمهني.
المدرسة المصرية في التلاوة والتأثر بالشيخ مصطفى إسماعيل
ينتمي نعينع إلى المدرسة المصرية العريقة، التي ترى في التلاوة فناً راقياً وعلماً دقيقاً قبل أن تكون مجرد استعراض للصوت. تأثر الشيخ أحمد نعينع بشدة بمدرسة القارئ الكبير الشيخ مصطفى إسماعيل، حيث استلهم منه طريقة الانتقال السلس بين المقامات القرآنية. يمنح نعينع كل حرف حقه من التجويد، ويصوغ المقامات بهدوء وثقة، دون تكلف أو مبالغة. سر جاذبيته يكمن في أنه لا يتعجل الوصول إلى الذروة الصوتية، بل يبني التلاوة درجةً درجة، حتى يجد المستمع نفسه مشدوداً ومندمجاً مع الآيات دون أن يشعر.
قارئ الرؤساء: محطة تاريخية في مسيرة الشيخ
من المحطات التاريخية البارزة في حياة الشيخ أحمد نعينع هي علاقته بالرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات. فقد أُعجب السادات بصوته وأدائه المتميز، وضمه إلى السكرتارية الطبية الخاصة به، كما أمر بأن يكون القارئ الأساسي في الاحتفالات الرسمية للدولة. استمر هذا الدور البارز لسنوات طويلة، مما جعل الصحافة والجمهور يطلقون عليه لقب “قارئ الرؤساء”. هذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة لموهبة استثنائية وقدرة على إيصال معاني القرآن الكريم إلى القلوب مباشرة.
التأثير الإقليمي والدولي: سفير القرآن الكريم
لم يقتصر تأثير الشيخ أحمد نعينع على المستوى المحلي في مصر، بل امتد ليشمل العالم الإسلامي بأسره. فقد جاب العديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، مشاركاً في كبرى المسابقات القرآنية والمحافل الدولية. حضوره الثابت في ليالي رمضان بالدول الإسلامية مثل ماليزيا وبروناي ودول الخليج، جعله سفيراً للقوة الناعمة المصرية. ومع انتقالاته السلسة بين المقامات، تبدو الآيات كأنها تتنفس، وتتحول المعاني إلى مشاهد حية في خيال السامعين من مختلف الجنسيات والثقافات.
خلاصة التجربة الروحانية
وعلى امتداد مسيرته الطويلة والمشرفة، حافظ الشيخ أحمد نعينع على توازن نادر بين قوة الصوت ودفء الأداء، فصار اسمه مرتبطاً بتلك اللحظة التي تتوقف فيها الضوضاء، ويعلو صوت القرآن وحده. لهذا، كلما صدح صوته في محفلٍ قرآني، يعود السؤال نفسه يتردد في الأذهان: هل نحن نستمع فقط إلى قارئ متمكن، أم نعيش تجربة روحانية كاملة تسمو بالنفس وترتقي بالوجدان؟ إن إرث الشيخ نعينع سيظل علامة مضيئة في تاريخ التلاوة، يروي قصة طبيب داوى القلوب بآيات الذكر الحكيم.


