أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، حزمة من القرارات الصارمة التي تهدف إلى ضبط المشهد الإعلامي والصحفي في البلاد. شملت هذه القرارات توقيع عقوبات مالية مغلظة، ومنع ظهور شخصيات إعلامية وطبية بارزة، بالإضافة إلى حجب عدد من المواقع والحسابات الإلكترونية المخالفة. وتأتي هذه الخطوات الحازمة استناداً إلى توصيات لجنة الشكاوى، وتطبيقاً لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 المنظم للصحافة والإعلام.
تفاصيل العقوبات على القنوات الفضائية والإعلاميين
في مقدمة هذه القرارات، ألزم المجلس جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لسلطته بمنع ظهور الإعلامية سارة هادي، مقدمة برنامج «السر في الحدوتة» الذي يُبث على قناة «الحدث اليوم»، وذلك لمدة ثلاثة أشهر. وترافق هذا القرار مع توقيع غرامة مالية قدرها 50 ألف جنيه مصري على القناة. يعود سبب هذه العقوبة إلى استضافة البرنامج لشخص متهم في قضية تحرش (واقعة بدلة الرقص بمحافظة القليوبية)، وتناول تفاصيل القضية بطريقة تخالف المعايير المهنية والأخلاقية ومواثيق الشرف الإعلامي. كما قرر المجلس مخاطبة نقابة الإعلاميين لمراجعة شروط منح تصاريح الممارسة الإعلامية.
ولم تقتصر العقوبات على ذلك، بل امتدت لتشمل قناة «النهار» الفضائية، حيث تم تغريمها مبلغ 150 ألف جنيه لعدم التزامها بالاحتفاظ بتسجيلات توثيقية كاملة لبرامجها لمدة 12 شهراً، وهو ما يعد مخالفة صريحة للقانون. كما تم توقيع غرامة بقيمة 100 ألف جنيه على قناة «هي» الفضائية، مع توجيه إنذار رسمي بإلغاء ترخيصها، وذلك بسبب بثها محتوى إعلامياً يخرج عن نطاق التخصص المرخص لها به.
التصدي للتضليل الطبي وحجب المواقع المخالفة
وفي خطوة تعكس حرص الدولة على حماية الصحة العامة، ألزم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام كافة الوسائل الإعلامية بمنع استضافة أو ظهور الطبيب ضياء العوضي. جاء هذا القرار الحاسم بناءً على قرار رسمي من نقابة أطباء مصر بإسقاط عضويته وشطبه نهائياً من سجلاتها، وذلك بعد ثبوت قيامه بتقديم معلومات طبية ووصفات علاجية غير مثبتة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يشكل تضليلاً خطيراً للجمهور وتهديداً مباشراً للصحة العامة للمواطنين.
وعلى الصعيد الرقمي ومكافحة الشائعات، أصدر المجلس قراراً بحجب الموقع الإلكتروني المسمى «العاصمة 24»، إلى جانب حجب حسابين على منصات التواصل الاجتماعي يحملان اسمي «حديث مصر» و«العاصمة 24». واستند القرار إلى ممارسة هذه الكيانات للنشاط الإعلامي دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة، فضلاً عن تعمدها بث ونشر أخبار كاذبة. وقد تمت مخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لتنفيذ قرارات الحجب فوراً.
السياق التاريخي وأهمية ضبط المشهد الإعلامي
تأسس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر ككيان مستقل يهدف إلى حماية حرية الصحافة والإعلام، وفي الوقت ذاته الحفاظ على استقرار المجتمع وقيمه. منذ إقرار القانون رقم 180 لسنة 2018، يعمل المجلس كجهة رقابية تضمن التزام المؤسسات الإعلامية بالمهنية والمصداقية. وتأتي هذه الحزمة الأخيرة من القرارات في سياق تصعيد رقابي ملحوظ خلال الفترة الماضية، استجابةً لتزايد الشكاوى من الانفلات في بعض البرامج التلفزيونية والمنصات الرقمية.
وتحمل هذه الإجراءات أهمية بالغة على المستوى المحلي، حيث تعيد الانضباط إلى الشاشات المصرية وتوجه رسالة رادعة لكل من تسول له نفسه استغلال المنصات الإعلامية لتحقيق نسب مشاهدة على حساب القيم المجتمعية أو الصحة العامة. أما على الصعيد الإقليمي، فإن التجربة المصرية في تنظيم الإعلام ومكافحة الأخبار الكاذبة والتضليل الطبي تُعد نموذجاً تتابعه العديد من الدول العربية التي تسعى لسن تشريعات مشابهة لحماية مجتمعاتها من فوضى الفضاء الإلكتروني والإعلام غير المسؤول.


