
يؤكد المفكّر حمزة أزوكاغ في طرحه الفلسفي العميق، أنه على الرغم من كل التقدم المذهل الذي أحرزته البشرية في المجالات العلمية والتقنية، إلا أن الإنسان يظل في جوهره كائناً طقوسيّاً بامتياز. فهو لا يزال يبحث بشغف عن المعنى في تفاصيل أفعاله اليومية. وبدلاً من التخلي عن الطقوس، قام الإنسان المعاصر باستبدال وتغيير مفهوم التعبّد التقليدي، ليحل محله نظام تقني استهلاكي صارم، يعيد تشكيل هوياتنا بشكل يومي في عالم يبدو في ظاهره علمانياً ومادياً، ولكنه في العمق لا يزال شديد القداسة والارتباط بالغيبيات الحديثة.
السياق التاريخي: من رهبة الطبيعة إلى أسطورة العلم
تاريخياً، ومنذ فجر البشرية، وجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام قوى الطبيعة الغامضة. وكما تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، ظل الإنسان مشدوداً إلى ممارسات طقوسيّة عدّة، فرضتها عليه اعتقاداته ومحاولاته المستمرة لفهم وتفسير العالم. لقد استوعب محيطه عبر صياغة نظام معقد من الرموز التي أضفت على حياته معنى. وفي ظل معرفة تقنية بدائية، لجأ الإنسان إلى ملكة الخيال الخلّاقة لترويض الطبيعة، فخلق الأساطير التي تُرجمت إلى طقوس متنوعة تهدف إلى جلب النفع أو درء الخطر.
مع انتقال البشرية إلى عصور التنوير والثورة الصناعية، ساد اعتقاد بأن التطور العلمي سيقضي على الفكر الأسطوري والطقوسي، وهو ما أسماه عالم الاجتماع ماكس فيبر بـ “نزع السحر عن العالم”. إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك؛ فقد شهد العالم طفرة تكنولوجية هائلة، لكنها لم تلغِ الحاجة الإنسانية للطقوس، بل خلقت أساطيرها الخاصة المتمثلة في التكنولوجيا ذاتها.
من الوصم إلى الوسم: التقنية كدين جديد
يعتبر أزوكاغ هذا التطور التكنولوجي نقلة نوعية، لكنه يلاحظ أن هناك طقوسية محايثة لهذه الوثبة التقنية، ومواكبة لما يعيشه الإنسان في العالم الرقمي المعاصر. هذا الواقع يدفعنا للتأمل العميق في محاولة لفهم علاقة الطقوس بالأسطورة في العصر الرقمي. هل يمكن اعتبار التقنية الحديثة شكلاً جديداً من أشكال الطقوس؟ للإجابة على ذلك، يستحضر أزوكاغ مقولة عالم الاجتماع إميل دوركهايم التي تؤكد أن الشعائر لا تتميز عن الممارسات البشرية الأخرى إلا بطبيعة موضوعها. فالقاعدة الأخلاقية والشعيرة تمليان علينا أنماطاً من الفعل، لكن لكل منهما غايات ومواضيع مختلفة.
الطقس وخطابه الخاص في العصر الرقمي
يرى المفكر أن الشعائر ترتبط ارتباطاً عضوياً بالأسطورة أو العقيدة، ولا يمكن فهم إحداهما بمعزل عن الأخرى. فالأسطورة هي الحاملة للمعنى والدلالة، وتصاحبها مجموعة من الطقوس التي يترجم من خلالها الفرد إيمانه إلى أفعال وسلوكيات متكررة. في العصر الحديث، أصبح “العلم” هو الأسطورة الجديدة التي تمد الإنسان بالمبررات اللازمة لأفعاله. الطقس التقني يمتلك خطابه الخاص الذي ينقل هذه الأسطورة العلمية من عالم المفاهيم المجردة إلى فضاء الممارسة اليومية والمنطوقات.
التأثير العالمي والمحلي لسطوة التقنية
يؤكد حمزة أزوكاغ أن التقنيات قد اجتاحت حياتنا المعاصرة بشكل غير مسبوق. فعلى المستوى المحلي والفردي، لا يخلو بيت من الأجهزة الذكية، وأصبح تصفح الهاتف الذكي طقساً يومياً منتظماً يشبه إلى حد بعيد الطقوس الدينية القديمة؛ حيث يبحث الفرد عن التواصل، الانتماء، أو حتى الطمأنينة عبر شاشته المضيئة.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد فرضت التقنية سطوتها على كافة جوانب الحياة، خاصة في الدول المتقدمة. لقد وحدت هذه الطقوس التقنية السلوك البشري عبر القارات، حيث ينشد كل مستخدم غايات وفوائد محددة من وراء استهلاكه التكنولوجي. وفي النهاية، تحولت التقنية ذاتها إلى كيان يمثل الطقس والأسطورة في آن واحد، مما يثبت أن الإنسان، مهما تطور علمياً، سيبقى ذلك الكائن الباحث عن المعنى عبر ممارسة طقوسه اليومية.


