تصاعد التوترات في العلاقات الأوروبية الأمريكية
في تصعيد لافت يعكس حجم التحديات التي تواجه العلاقات عبر الأطلسي، وجهت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، انتقادات حادة للولايات المتحدة الأمريكية، متهمة إياها بالسعي المتعمد إلى “تقسيم أوروبا”. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تشهد فيه الساحة الدولية تحولات جيوسياسية عميقة، مما يضع مستقبل التحالفات الغربية التقليدية على المحك.
كايا كالاس تحذر من النوايا الأمريكية تجاه الاتحاد الأوروبي
وفي مقابلة حصرية نشرتها صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، أوضحت كالاس أن الإدارة الأمريكية تتبنى نهجاً لا يصب في مصلحة الوحدة الأوروبية. وقالت بوضوح: “من المهم أن يدرك الجميع أن الولايات المتحدة واضحة جداً في رغبتها في تقسيم أوروبا، فهي لا تحب الاتحاد الأوروبي ككيان موحد”. وأشارت إلى أن واشنطن تستخدم تكتيكات مشابهة لتلك التي يستخدمها خصوم الاتحاد الأوروبي لإضعاف تماسكه الداخلي وتشتيت قراراته السياسية والاقتصادية.
سياسات ترمب الاقتصادية والتهديد بفرض رسوم جمركية
وسلطت المسؤولة الأوروبية الضوء على سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مشيرة إلى أنه استهدف الاتحاد الأوروبي مراراً خلال ولايته. وفي هذا السياق، أطلقت إدارة ترمب مؤخراً سلسلة من التحقيقات التجارية التي تستهدف الاتحاد الأوروبي ودولاً أخرى بارزة مثل الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، والمكسيك، تحت ذريعة وجود ممارسات تجارية غير عادلة.
وبموجب هذه التحقيقات، باتت هذه الدول تواجه خطر فرض رسوم جمركية أمريكية جديدة بحلول الصيف القادم. ويأتي هذا التهديد بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية في الشهر الماضي معظم برنامج الرسوم الذي كان ترمب قد أقره في وقت سابق، مما يفتح الباب أمام جولة جديدة من التوترات التجارية التي قد تضر بالاقتصاد العالمي وتزيد من أعباء التجارة الدولية.
قضية جرينلاند ومستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)
وتطرقت كايا كالاس إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، وهي الحديث المتجدد عن مساعي أمريكية لضم جزيرة “جرينلاند” التابعة للدنمارك. وحذرت كالاس من أن خطوة كهذه يمكن أن تؤدي فعلياً إلى إنهاء حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتكتسب جرينلاند أهمية استراتيجية قصوى في منطقة القطب الشمالي، وأي مساس بوضعها السياسي يهدد التوازن الأمني الذي بني عليه التحالف الغربي منذ عقود طويلة.
استراتيجية المواجهة: الوحدة الأوروبية والاستقلال الدفاعي
ولمواجهة هذه التحديات، شددت كالاس على ضرورة تغيير استراتيجية التعامل الأوروبي مع واشنطن. وطالبت دول الاتحاد الأوروبي بتجنب التعامل مع ترمب على أساس ثنائي منفرد، مؤكدة على أهمية التفاوض ككتلة واحدة. وقالت: “يجب أن نتعامل معه بشكل جماعي، لأننا نكون قوى متساوية فقط عندما نكون معاً”. هذا الموقف يعكس مخاوف من سياسة قد تضعف الموقف التفاوضي للدول الأوروبية فرادى.
وفي ختام تصريحاتها، اعترفت كالاس بالواقع العسكري الحالي، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال بحاجة إلى “الشراء من أمريكا لأننا لا نملك الأصول أو الإمكانيات أو القدرات التي نحتاجها”. ومع ذلك، أكدت أن أوروبا بحاجة ماسة إلى زيادة الاستثمار في صناعتها الدفاعية الخاصة. وتأتي هذه الدعوة متسقة مع الجهود الأوروبية لتعزيز “الاستقلال الاستراتيجي” في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة في القارة الأوروبية والحاجة لتقليل الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية.


