أثار استهداف الجيش اللبناني من قبل القوات الإسرائيلية موجة من التنديد والاستنكار الواسع على المستويين المحلي والدولي. وفي هذا السياق، ندد قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، بالهجوم الإسرائيلي الأخير الذي وقع يوم الثلاثاء وأسفر عن مقتل جنديين لبنانيين وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة. وأكد عون في تصريحاته أن هذا الهجوم “يتناقض بشكل فاضح مع دعوات لبنان والمجتمع الدولي إلى تمكين الجيش من بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح في أيدي القوات المسلحة الشرعية”.
من جهتها، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً شديد اللهجة أدانت فيه بأشد العبارات استهداف العسكريين، مشيرة إلى أن هذا التصعيد يتزامن مع استمرار الاعتداءات التي أودت بحياة المئات من المدنيين الأبرياء، بما في ذلك النساء والأطفال. ووصفت الرئاسة هذه الأعمال بأنها تشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية والإنسانية. وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ الثاني من مارس الماضي إلى أكثر من 900 قتيل، مما يعكس حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة.
السياق التاريخي للتوترات الحدودية والقرارات الدولية
لفهم أبعاد هذا التصعيد، لا بد من النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للتوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. منذ عقود، تشهد المنطقة الحدودية، المعروفة بالخط الأزرق، خروقات متكررة واشتباكات متقطعة. وقد جاء قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى حرب عام 2006، ليؤكد على ضرورة بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها، ومنع وجود أي أسلحة أو قوات غير تابعة للدولة اللبنانية في منطقة جنوب نهر الليطاني. ورغم التحديات الاقتصادية والسياسية الكبيرة، يسعى الجيش اللبناني جاهداً للحفاظ على الاستقرار وتطبيق القرارات الدولية بالتعاون مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل).
التداعيات الإقليمية والدولية بعد استهداف الجيش اللبناني
يحمل استهداف الجيش اللبناني في هذا التوقيت الحساس دلالات خطيرة وتأثيرات متوقعة على عدة أصعدة. محلياً، يضعف هذا الهجوم من قدرة المؤسسة العسكرية الشرعية على أداء مهامها في حفظ الأمن وبسط سيادة الدولة، وهو ما يتناقض مع المساعي الوطنية لتوحيد القرار الأمني. إقليمياً، ينذر التصعيد بتوسيع رقعة الصراع وجر المنطقة إلى مواجهة شاملة قد يصعب احتواؤها. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، خاصة الدول المانحة والداعمة للجيش اللبناني، وتعرقل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد حلول سلمية مستدامة تضمن أمن واستقرار المنطقة.
مسار المفاوضات والتحركات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة
على الجانب الآخر، تشهد الساحة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تطورات متسارعة. فقد أعلن وزير الشؤون الاستراتيجية ورئيس وفد التفاوض الإسرائيلي مع لبنان، رون ديرمر، عن تسوية معظم نقاط الخلاف الحدودية الـ13 مع لبنان، مشدداً على أنه ليس لإسرائيل خطط لاحتلال الأراضي اللبنانية. ومع ذلك، أوضح ديرمر أن الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب مستمرة، مبيناً أن إسرائيل مستعدة لإكمال المعركة وحدها إذا اضطرت لذلك. وفي سياق متصل، كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن تأجيل جولة المفاوضات المباشرة التي كان من المقرر عقدها بين ممثلين إسرائيليين ولبنانيين خلال الأيام القادمة بشكل مؤقت، وذلك بعد تراجع إسرائيل عن الخطة.
ميدانياً، كثف الجيش الإسرائيلي من ضرباته الجوية والمدفعية على مناطق متفرقة، في خطوة يُعتقد أنها تمهيد لاجتياح بري محتمل. وتتزامن هذه الضربات المكثفة مع تقارير تفيد بانضمام الفرقة 36 إلى جانب الفرقة 91 من الجيش الإسرائيلي للعمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني ويرفع من منسوب القلق إزاء مآلات هذا التصعيد العسكري غير المسبوق.


