spot_img

ذات صلة

السلاح النووي الإيراني: هل تقلب فتوى الضرورة الموازين؟

تحولات استراتيجية نحو السلاح النووي الإيراني

يشهد المشهد السياسي والديني في طهران تحولاً جذرياً يعكس ارتدادات الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط. فقد برز نقاش غير مسبوق يهدف إلى منح السلاح النووي الإيراني غطاءً شرعياً، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع المواقف الرسمية السابقة التي طالما أكدت أن طهران لا تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل. هذا التحول يأتي في وقت يرى فيه خبراء استراتيجيون أن التوترات الحالية قد تدفع طهران فعلياً نحو تسريع وتيرة برنامجها بدلاً من كبحه.

الجذور التاريخية للبرنامج وتطور العقيدة الدفاعية

لفهم هذا التحول، يجب النظر إلى السياق التاريخي. تعود بدايات الاهتمام الإيراني بالطاقة النووية إلى فترة ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، حيث بدأ البرنامج بدعم وتنسيق غربي. ومع تغير النظام، توقف البرنامج لفترة قبل أن يُستأنف لاحقاً وسط شكوك دولية متزايدة حول أبعاده العسكرية. ولتبديد هذه المخاوف، استندت طهران لعقود إلى فتوى دينية أصدرها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أوائل الألفية الثالثة، والتي تحرم بشكل قاطع إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل. وقد اعتُبرت هذه الفتوى، وفقاً للرواية الرسمية، حكماً فقهياً ثابتاً يوجه العقيدة النووية الإيرانية نحو الأغراض السلمية البحتة، مثل توليد الكهرباء والأبحاث الطبية.

فتوى الضرورة: مبررات دينية لواقع سياسي جديد

ومع ذلك، كشفت تقارير إعلامية حديثة عن نقاشات مكثفة يقودها رجال دين بارزون في مدينتي قم ومشهد، تتجه نحو إقرار فتوى جديدة تعتبر امتلاك السلاح النووي الإيراني «ضرورة شرعية» في ظل التهديدات الوجودية والحروب الجارية. هذا الطرح، الذي كان يُناقش سابقاً في الغرف المغلقة، بدأ يطفو على السطح بقيادة شخصيات دينية نافذة. وفي هذا السياق، أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في وقت سابق إلى أن الفتوى «مرتبطة بالشخص الذي يصدرها»، مما يفتح الباب أمام احتمالات مراجعة الموقف الفقهي السابق. هذا التوجه يصطدم بتصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي شدد قبل اندلاع الصراعات الأخيرة على أن بلاده لا تسعى مطلقاً لتصنيع أسلحة نووية بناءً على أساس عقائدي.

التداعيات الإقليمية والدولية لتغيير المسار

إن أي تحول رسمي نحو عسكرة البرنامج النووي سيحمل تداعيات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، قد يؤدي ذلك إلى تعزيز قبضة التيار المتشدد وتوجيه المزيد من الموارد نحو القطاع العسكري. إقليمياً، من المتوقع أن يثير هذا التوجه قلقاً بالغاً لدى دول الجوار، مما قد يشعل سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط، ويزيد من احتمالات المواجهة المباشرة. أما على الصعيد الدولي، فإن اقتراب طهران من العتبة النووية، خاصة مع وصول نسب تخصيب اليورانيوم إلى 60% في منشآت محصنة مثل نطنز وفوردو، يضع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والقوى الغربية أمام تحديات غير مسبوقة، مما قد يؤدي إلى تشديد العقوبات الاقتصادية أو حتى التلويح بخيارات عسكرية استباقية.

هل تسرع الصراعات من الاندفاع النووي؟

خلصت تحليلات استراتيجية نشرتها مجلات وصحف عالمية مرموقة مثل «ناشونال إنترست» و«نيويورك تايمز» إلى أن البيئة الأمنية المضطربة قد تدفع إيران إلى تسريع سعيها لامتلاك رادع نووي. ويرى خبراء عسكريون أن المواجهات الأخيرة عززت قناعة طهران بأن غياب الردع النووي يجعلها أكثر عرضة للهجمات. ويستشهد هؤلاء الخبراء بنماذج دولية تاريخية؛ حيث أدى التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل في دول مثل ليبيا والعراق إلى تدخلات عسكرية وإسقاط للأنظمة، في حين استطاعت كوريا الشمالية حماية نظامها بفضل ترسانتها النووية. هذه الأمثلة ترسخ داخل الذهنية الاستراتيجية الإيرانية فكرة أن البقاء السياسي والأمني قد يتطلب في النهاية تجاوز سياسة الغموض وامتلاك القنبلة النووية كضمانة نهائية.

spot_imgspot_img