spot_img

ذات صلة

عبدالرحمن المناعي: رائد المسرح القطري | سيرة وإنجازات

الجذور التاريخية للمسرح الخليجي وبروز عبدالرحمن المناعي

يشترك تاريخ الحركة المسرحية في دول الخليج العربي في عدة محطات رئيسية أسهمت في تشكيل هويتها الفنية. بدأ هذا الفن العريق، الذي يُعد (أبو الفنون)، من خلال حفلات التمثيل المدرسي وفرق الكشافة وسهرات الأندية الرياضية. وقد تعززت هذه الحركة مع ظهور محطات التلفزيون الرسمية التي نقلت المسرحيات إلى البيوت، إلى جانب ابتعاث الطلبة للدراسة في الدول العربية العريقة مسرحياً. ولئن كانت البحرين هي الأسبق تاريخياً بتقديم أول مسرحية عام 1929، وتلتها الكويت بنهضة مسرحية شاملة استقطبت كبار الخبراء مثل زكي طليمات، فإن دولة قطر شهدت مساراً متصاعداً توج ببروز قامات فنية استثنائية. وفي خضم هذا الحراك الثقافي، برز اسم عبدالرحمن المناعي كواحد من أهم أعمدة المسرح القطري والخليجي، حيث أخذ على عاتقه مهمة تأسيس مسرح يعبر عن روح المكان وذاكرة إنسانه.

تطور الحركة المسرحية القطرية ونشأة الأب الروحي

بدأت الإرهاصات الأولى للمسرح في قطر بشكل ارتجالي في المدارس والأندية منذ خمسينيات القرن العشرين. ومع نيل الاستقلال عام 1970، انطلقت الحركة المؤسسية بتأسيس (الفرقة المسرحية القطرية) عام 1972، وتأسيس قسم المسرح بوزارة التربية والتعليم عام 1974، وصولاً إلى افتتاح (مسرح قطر الوطني) عام 1982 الذي وفر بنية تحتية متطورة. في هذا المناخ، وُلد عبدالرحمن إبراهيم المناعي في الدوحة عام 1948، لأسرة تنتمي إلى قبيلة المناعي العريقة التي ارتبط تاريخها بالغوص وتجارة اللؤلؤ. تلقى تعليمه في الكتاتيب ثم المدارس النظامية وصولاً إلى الثانوية الصناعية. ورغم عمله المبكر كفني راديو في شركة «شل» النفطية، إلا أن شغفه بالمسرح، الذي تغذى على الحكايات الشعبية لوالدته، ظل مسيطراً على وجدانه.

“أم الزين” والانطلاقة الحقيقية نحو مأسسة الفن

ترجم عبدالرحمن المناعي شغفه إلى واقع ملموس حين كتب أول نص مسرحي له بعنوان (أم الزين)، والذي أخرجه الرائد الأردني هاني صنوبر عام 1975. شكلت هذه المسرحية علامة فارقة في تاريخ الفن القطري، ودفعت الدولة لاستقطابه ككادر وطني في وزارة الإعلام. توالت مناصبه الحكومية، من مراقب للمركز الثقافي، إلى مساعد مدير إدارة الثقافة والفنون، ثم رئيس قسم دراسات الخليج بمجلة الدوحة، وصولاً إلى إدارة مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية (1987-2005).

التأثير الإقليمي والدولي في تشكيل الهوية المسرحية

لم يقتصر تأثير المناعي على النطاق المحلي، بل امتد ليترك بصمة إقليمية ودولية واضحة. تكمن أهمية مسيرته في نجاحه بتحويل المسرح من مجرد وسيلة للترفيه إلى منصة لتوثيق التحولات الجذرية التي طرأت على المجتمعات الخليجية إثر الانتقال من عصر الغوص والصيد إلى عصر النفط. من خلال أعماله، حافظ المناعي على التراث الشعبي، وجعل من حكايات الصيادين وتفاصيل رحلات صيد اللؤلؤ مادة درامية ترقى إلى مصاف التراجيديا العالمية. كما تميزت أعماله بالمواءمة بين اللغة الفصحى واللهجة القطرية الدارجة، مما جعل مسرحياته مرجعاً ثقافياً مهماً للباحثين، وعزز من حضور المسرح الخليجي في المحافل الثقافية العربية.

إرث فني غزير وجوائز توجت مسيرة العطاء

على مدار خمسين عاماً، أثرى المناعي المكتبة العربية بأكثر من 50 نصاً مسرحياً، أخرج منها 30 عملاً، وصمم ديكورات وموسيقى العديد منها، ليثبت أنه فنان شامل بامتياز. من أبرز أعماله: الحذاء الذهبي، يا ليل يا ليل، غناوي الشمالي، ومقامات بن بحر. وتقديراً لهذا العطاء، حصد جوائز رفيعة، منها جائزة أفضل تقنية مسرحية في مهرجان قرطاج (1985)، ووسام مجلس التعاون (1989)، وجائزة الدولة التقديرية في قطر (2006)، وجائزة الدوحة للكتابة الدرامية (2020).

موقف شجاع دفاعاً عن خشبة المسرح

في أكتوبر 2018، وفي موقف يعكس غيرته الشديدة على الفن الأصيل، أعلن المناعي توقفه عن العمل المسرحي احتجاجاً على تردي أوضاع الحركة المسرحية واقتحامها من قبل أشخاص غير مؤهلين فرضوا معايير سطحية. وصف المناعي الساحة حينها بـ “الضباب الكثيف”، مفضلاً الجلوس في البيت على الانصياع للرداءة. إلا أن الضغط الجماهيري ومطالبات عشاق فنه وكبار المسؤولين دفعته للتراجع عن قراره، ليبقى نوخذة المسرح القطري وحارساً أميناً لتراثه وهويته.

spot_imgspot_img