في خطوة استباقية لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، أعلنت كوريا الجنوبية اليوم الثلاثاء عن مقترح ميزانية تكميلية ضخمة بقيمة 17.3 مليار دولار أمريكي. يأتي هذا التحرك العاجل استجابةً لأزمة ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بهدف دعم المستهلكين والشركات المحلية المتضررة من تداعيات الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً التوترات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
تداعيات ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الكوري
يشكل ارتفاع أسعار النفط تهديداً مباشراً لآفاق النمو في رابع أكبر اقتصاد في قارة آسيا. فالاقتصاد الكوري الجنوبي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد موارد الطاقة لتشغيل قطاعاته الصناعية والتكنولوجية الضخمة. وتاريخياً، لطالما كانت سيول شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث تستورد نحو 70% من احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة. هذا الاعتماد الكثيف جعل من تأمين إمدادات الطاقة بأسعار مستقرة ركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصادي للبلاد منذ النهضة الصناعية الكورية، مما يفسر التحرك السريع لاحتواء أزمة الأسعار الحالية.
تفاصيل خطة الإنفاق والدعم الحكومي المباشر
تبلغ قيمة خطة الإنفاق الطارئة نحو 26.2 تريليون وون كوري (ما يعادل 17.3 مليار دولار). وقد تم تقسيم هذه الميزانية بعناية لتشمل تخصيص 10.1 تريليون وون لمواجهة الآثار المباشرة لغلاء الوقود، و2.8 تريليون وون لدعم الفئات ذات الدخل المحدود والشباب. بالإضافة إلى ذلك، تم رصد 2.6 تريليون وون لمساندة الشركات التي تأثرت سلاسل إمدادها بسبب الصراع في الشرق الأوسط.
ومن أبرز الإجراءات الاستثنائية التي تضمنتها الخطة، تعتزم الحكومة تخصيص 5 تريليونات وون لتعويض شركات تكرير النفط عن الخسائر الناتجة عن فرض سقوف سعرية على الوقود، وهي خطوة نادرة تُطبق لأول مرة منذ نحو 30 عاماً. كما سيتم توجيه 4.8 تريليون وون لتقديم دعم مالي مباشر للمواطنين عبر قسائم استهلاكية تتراوح قيمتها بين 100 ألف و600 ألف وون للفرد، وفقاً لمستوى الدخل والمنطقة الجغرافية، مع استثناء شريحة الـ 30% الأعلى دخلاً.
التمويل والسياسة المالية التوسعية
أوضحت وزارة المالية الكورية أن تمويل هذه الميزانية لن يثقل كاهل الدولة بديون جديدة؛ بل سيتم من خلال فائض الإيرادات الضريبية الناتج عن ازدهار صادرات الرقائق الإلكترونية وانتعاش سوق الأسهم، دون الحاجة لإصدار سندات حكومية جديدة، بل سيتم تخصيص تريليون وون لسداد جزء من الدين العام. وتُعد هذه الميزانية الإضافية الثانية خلال أقل من عام في عهد الرئيس لي جاي ميونغ، الذي تعهد منذ توليه السلطة في يونيو الماضي باتباع سياسة مالية توسعية لتعزيز النمو. وكانت حكومته قد أقرت العام الماضي ميزانية إضافية بقيمة 31.8 تريليون وون لتحفيز الطلب المحلي الذي تراجع عقب الأزمة السياسية ومحاولة فرض الأحكام العرفية في ديسمبر 2024.
التأثير المتوقع للميزانية محلياً وإقليمياً
على الصعيد المحلي، صرح وزير الميزانية، بارك هونغ-كيون، قائلاً: «بعيداً عن المؤشرات الاقتصادية، فإن القلق والصعوبات التي يواجهها المواطنون والشركات تتفاقم أكثر من أي وقت مضى، ما يجعل الاستجابة الاستباقية ضرورة ملحّة». ومن المتوقع أن ترفع هذه الحزمة إجمالي الإنفاق الحكومي لعام 2026 إلى 752.1 تريليون وون، بزيادة 11.8% مقارنة بالعام الماضي، مما سيسهم في تعزيز النمو الاقتصادي بنحو 0.2 نقطة مئوية.
ورغم زيادة الإنفاق، تتوقع الحكومة تراجع العجز المالي إلى 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مع انخفاض معدل الدين إلى الناتج المحلي إلى 50.6%. إقليمياً ودولياً، تعكس هذه الإجراءات مرونة الاقتصاد الكوري وقدرته على التكيف؛ حيث أشار بنك كوريا المركزي إلى الحفاظ على سياسته النقدية دون تغيير حتى أغسطس القادم على الأقل، مع رفع توقعاته لنمو الاقتصاد في 2026 إلى 2.0%. وتعتبر هذه الخطوات الكورية بمثابة نموذج تراقبه الاقتصادات الآسيوية الأخرى التي تواجه تحديات مشابهة في تأمين سلاسل إمداد الطاقة العالمية.


