كشفت تقارير وتسريبات استخباراتية أمريكية وغربية حديثة، نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، عن أزمة هيكلية عميقة تضرب قلب السلطة في طهران، حيث باتت منظومة القرار الإيراني تعاني من حالة شلل غير مسبوقة وانقسامات حادة. هذا التراجع الملحوظ جاء كنتيجة مباشرة لسلسلة من العمليات العسكرية الدقيقة والاغتيالات التي طالت كبار القادة العسكريين والأمنيين، مما أثر بشكل جذري على قدرة طهران على التنسيق الاستراتيجي وإدارة أزماتها الداخلية والخارجية.
جذور الأزمة: حرب الظل وتصاعد الاستهدافات المباشرة
لفهم الوضع الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للصراع. لسنوات طويلة، اعتمدت إيران على استراتيجية “حرب الظل” وتوجيه أذرعها في المنطقة لتجنب المواجهة المباشرة. ومع ذلك، شهدت الأشهر الأخيرة تحولاً دراماتيكياً تمثل في استهداف مباشر ومكثف لقيادات الصف الأول والثاني من الحرس الثوري الإيراني. بدأت هذه الاستراتيجية تتضح معالمها منذ سنوات مع تصفية قادة بارزين، وتصاعدت وتيرتها مؤخراً بضربات دقيقة في سوريا ولبنان والداخل الإيراني. هذا التحول الاستراتيجي من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أجبر القيادة الإيرانية على التراجع، وخلق حالة من الارتباك الأمني غير المسبوق.
تأثير الاغتيالات على منظومة القرار الإيراني
أكدت المصادر الاستخباراتية أن تصفية العشرات من القادة الإيرانيين البارزين منذ أواخر فبراير الماضي أحدثت فجوة هائلة في منظومة القرار الإيراني. فقد واجه من تبقى من القادة صعوبات بالغة في التواصل اليومي، وباتوا يتجنبون عقد الاجتماعات الحضورية خوفاً من اختراق اتصالاتهم واعتراضها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية، مما يعرضهم لضربات جوية محتملة. ورغم استمرار عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية في مستوياتها الدنيا، إلا أن القدرة العليا على التخطيط ورسم استراتيجيات أو سياسات جديدة قد تراجعت بشكل حاد، مما أدى إلى قطع الروابط الحيوية بين صناع القرار المدنيين والعسكريين.
صعود نفوذ الحرس الثوري وتهميش القيادة السياسية
في ظل هذه الفوضى، تشير التقييمات إلى تغير في موازين القوى الداخلية. يعتقد مسؤولون أمريكيون أن التيار المتشدد داخل الحرس الثوري الإيراني استغل هذه الأزمة لتوسيع نفوذه، ممارساً سلطة تفوق سلطة القيادة الدينية والسياسية التقليدية. وتترافق هذه التغيرات مع إجراءات أمنية مشددة تحيط بالمرشد الأعلى علي خامنئي، خاصة بعد الضربات التي استهدفت مجمعات قيادية حيوية، وسط تكهنات حول الدور المتصاعد لنجله مجتبى خامنئي. هذا التعدد في مراكز القوى جعل من الصعب تحديد الجهة الفعلية التي تمتلك الكلمة الفصل في شؤون الدولة.
اللامركزية العسكرية: استراتيجية بديلة أم فقدان للسيطرة؟
استباقاً لاحتمالات انهيار الاتصالات المركزية، كشفت تقارير أن إيران أنشأت نظام قيادة لامركزي يسمح للقادة المحليين في مختلف المناطق باتخاذ قرارات الهجوم بشكل مستقل دون انتظار أوامر مباشرة من طهران. ورغم أن هذا النظام مكن طهران من الاستمرار في توجيه بعض الضربات ضد أهداف أمريكية وحليفة، إلا أن مسؤولين عسكريين أمريكيين أكدوا أن هذه الهجمات فقدت الكثير من حجمها وفعاليتها المعتادة، مما يعكس تضرر نظام القيادة والسيطرة المركزي بشدة.
التداعيات الإقليمية والدولية ومستقبل المفاوضات
على الصعيد الدولي، ألقت هذه التصدعات بظلالها الكثيفة على المسار الدبلوماسي. الانقسام داخل القيادة الإيرانية جعل من مهمة التفاوض مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق ينهي التوترات أمراً بالغ الصعوبة. وقد سبق أن عبرت إدارات أمريكية متعاقبة، بما فيها إدارة الرئيس دونالد ترمب، عن إحباطها من “الرسائل المتضاربة” التي ترسلها طهران. فالمفاوضون الإيرانيون يفتقرون اليوم إلى صلاحيات واضحة، ولا يعرفون حجم التنازلات المسموح بها أو الجهة المرجعية التي يجب العودة إليها. وفي حين يتوقع بعض المحللين أن تدفع الضغوط الاقتصادية والعسكرية طهران نحو إبرام صفقة اضطرارية، لا تزال القيادة الإيرانية تكابر وترفض الاعتراف بخسارة المعركة، مما ينذر باستمرار حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.


