كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة “Midwifery” العلمية المحكمة، الصادرة عن دار النشر العالمية “Elsevier”، عن أبعاد وتحديات مهنة القبالة في السعودية، مشيرة إلى أنها تواجه عقبات عميقة تتجاوز مجرد النقص العددي في الكوادر الطبية. وأوضحت الدراسة أن هناك غياباً لتعريف واضح للدور المهني للقابلة داخل المجتمع والمنظومة الصحية، مما يستدعي تدخلاً استراتيجياً شاملاً لتصحيح هذا المسار.
الجذور التاريخية والتطور العلمي لرعاية الأمومة
تُعد القبالة من أقدم المهن التي عرفتها البشرية، حيث ارتبطت منذ القدم بضمان سلامة الأم والمولود أثناء عملية الولادة. تاريخياً، اعتمدت المجتمعات، بما فيها المجتمعات العربية، على الممارسات التقليدية المتوارثة. ومع التطور المتسارع للطب الحديث، تحولت هذه الممارسة إلى علم طبي دقيق يتطلب دراسة أكاديمية وتدريباً سريرياً مكثفاً. وقد أدركت الأنظمة الصحية العالمية أن القابلات المؤهلات قادرات على تقديم ما يصل إلى 90% من خدمات صحة الأمومة الأساسية، والمساهمة الفعالة في تقليل نحو ثلثي وفيات الأمهات والمواليد على مستوى العالم. هذا التحول التاريخي يضع مهنة القبالة في قلب استراتيجيات الرعاية الصحية الحديثة.
واقع القبالة محلياً: أرقام وتحديات تشغيلية
في السياق المحلي، تسجل المنظومة الصحية نحو 600 ألف ولادة سنوياً، وهو رقم ضخم يتطلب بنية تحتية بشرية قوية. وتشير التقديرات إلى الحاجة الماسة لتوفير نحو 20 ألف قابلة لتلبية المعايير الدولية للرعاية. ومع ذلك، لا تزال أعداد القابلات المؤهلات محدودة، مع وجود اعتماد ملحوظ على الكوادر غير السعودية. كما أن غالبية العاملات حالياً يحملن مؤهل الدبلوم فقط، مما يعكس فجوة واضحة بين الطلب الفعلي والقدرة التشغيلية المتاحة.
وقد اعتمدت الدراسة، التي حصلت على موافقة أخلاقية من جامعة الملك سعود، على مقابلات متعمقة مع 14 طالبة قبالة سعودية. وبيّنت النتائج أن برامج بكالوريوس القبالة التي انطلقت في المملكة عام 2020م تمثل خطوة جوهرية نحو تطوير المهنة، لكنها لا تزال تواجه تحديات تتمثل في محدودية الانتشار، وضعف التدريب السريري، وقلة فرص التطبيق العملي، مما يؤثر سلباً على جاهزية الخريجات وثقتهن داخل بيئة العمل.
أهمية تطوير مهنة القبالة في السعودية وتأثيرها الشامل
إن الارتقاء بمستوى مهنة القبالة في السعودية لا يقتصر تأثيره على سد العجز المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية. محلياً، يساهم تمكين القابلات السعوديات في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى توطين المهن الصحية، ورفع جودة الحياة، وتعزيز كفاءة الرعاية الصحية المقدمة للمرأة. وإقليمياً، يمكن للمملكة أن تصبح نموذجاً يُحتذى به في تطبيق أعلى معايير صحة الأم والطفل. أما دولياً، فإن سد الفجوة المحلية يدعم الجهود العالمية لمواجهة العجز الذي يُقدّر بنحو مليون قابلة حول العالم.
خطوات نحو بناء هوية مهنية مستقلة
أظهرت الدراسة أن طالبات القبالة يمتلكن دافعاً داخلياً قوياً لاختيار هذا التخصص، مدفوعاً بفلسفة الرعاية الشاملة للمرأة وتوافق المهنة مع القيم الثقافية والدينية. إلا أن هذا الشغف يصطدم بضعف الوعي المجتمعي والخلط بين القابلة وتخصصات التمريض الأخرى، فضلاً عن الغموض في الأنظمة والاعتراف المؤسسي الذي يضع القابلات في موقع هامشي داخل بعض المؤسسات الصحية.
ولمواجهة هذه التحديات، أوصت الدراسة بضرورة إطلاق حملات لرفع الوعي المجتمعي، وتوسيع البرامج التعليمية، وتعزيز التدريب السريري. كما دعت إلى إنشاء عيادات متخصصة تقودها القابلات، وتطوير السياسات الصحية لضمان استقلالية الدور المهني. في النهاية، يكمن التحدي الحقيقي في بناء هوية مهنية واضحة قادرة على الاندماج الفعال داخل النظام الصحي، مما يضمن تقديم رعاية صحية مستدامة وعالية الجودة.


