في المشهد الثقافي العربي المعاصر، يبرز كتاب الهبل الصادر حديثاً عن دار أروقة للنشر والتوزيع في القاهرة لعام 2025، كعلامة فارقة في الكتابة الأدبية والبحثية. يقترب الشاعر والباحث السعودي عبدالرحمن موكلي في هذا العمل من الكتابة كفعل مركب يستعيد به المكان صوته، وتسترد الأسماء بريقها الأول بعد أن بهتت تحت وطأة الاستعمال اليومي. هنا، تتحرر الجغرافيا من انحصارها في حدود صامتة، لتتحول الخريطة إلى ذاكرة تمشي، تتكلم بلسان الحروف وتخفي في طبقاتها ما غاب عن السرد الرسمي أو مرّ فيه مروراً عابراً.
السياق التاريخي: شبه الجزيرة العربية وذاكرة الأماكن
تاريخياً، ارتبطت شبه الجزيرة العربية بتراث شفهي عميق، حيث لم تكن الجغرافيا مجرد تضاريس صماء، بل كانت مسرحاً لحكايات القبائل، وطرق القوافل، وأساطير الصحراء. وفي هذا السياق، يفتح موكلي أمام القارئ طريقاً يُسلك، ويأخذه بعيداً عن الاطمئنان إلى التعريف القاموسي الجاف. يتجه النص نحو أسطرة الجغرافيا وأنسنة التاريخ، والمثاقفة باللغة، والمقاربة بين الأمكنة والأطعمة والأشعار من منظور أنثروبولوجي دقيق. إن الأسماء في الثقافة العربية القديمة تحمل دلالات ترتبط بالبيئة القاسية والتحولات المناخية والاجتماعية، وهو ما يبرزه المؤلف ببراعة.
كتاب الهبل: تداخل الأجناس الأدبية وتجاوز التصنيفات
منذ الصفحات الأولى، يتشكل كتاب الهبل كعمل يتحرك خارج التصنيفات المستقرة، تتداخل فيه الأنواع وتذوب حدودها. تلتقي نبرة البحث الأكاديمي بحساسية الشعر، ويجاور السرد التأمل الفلسفي. يحمل النص من القاموس ومن الدراسة ومن القصيدة ومن الحكاية ملامح متفرقة، ثم يعيد تركيبها في صيغة يكون فيها المكان محور الحضور. يظهر المكان كائناً له سيرة وطباع وذاكرة مشتعلة، وأساطير مؤجلة، وأصوات تنتظر من ينصت إليها بشغف.
يلتقط المؤلف ما تبقى من الأسطورة في الأسماء، في الجبال والسهول والمدن، وفي الانزياحات الصوتية والتشابهات الخفية بين المفردات. تبدو اللغة وكأنها تحتفظ بسر قديم، وما على الكاتب سوى أن يزيح عنها غبار التداول اليومي لتبوح بما ادخرته الأزمنة. تتحول الجغرافيا إلى مادة مشتعلة ما إن تلامسها الذاكرة حتى تتوهج، منطلقاً من اسم عابر، قرية أو جبل أو سوق أو وادٍ.
الأهمية الثقافية وتأثير استعادة الهوية المكانية
تنبع أهمية هذا العمل من مسعاه الجاد الذي يعيد التفكير في علاقة الأدب بالمكان، ويمنح الأسماء حضورها كخزائن للذاكرة. على المستوى المحلي والإقليمي، يمثل هذا التوجه خطوة حاسمة لحفظ الهوية الثقافية في ظل تسارع التلاشي والتمدن الحديث. تبدو هذه الكتابة استعادة لما ظل كامناً، ومحاولة لتوثيق الذاكرة الشفاهية والعادات والطقوس التي شكلت الوعي الجمعي في غرب جزيرة العرب، من المدن القريبة من البحر الأحمر إلى القرى والأسواق البعيدة عن السرد المركزي.
ما ينجزه موكلي يتجاوز التفكيك اللغوي في صورته الأكاديمية الصارمة، إذ يفتح منطقة خصبة تتحول فيها الكلمة إلى سرد محتمل، وإلى اقتراح جمالي يتسع للتأويل. بهذا المعنى، يستعيد الحرف حقه في الاحتمال، ويتحرر من سلطة المُعجم دون أن يفقد تماسكه. تتجلى العلاقة بين الإنسان والمكان عبر الأثر المتراكم للعيش، حيث تتداخل الحكايات والمعتقدات والرغبات مع اللغة التي تركت علامات باقية.
دعوة متجددة للقراءة والإنصات
تنساب اللغة بمرونة، تبدأ من تفصيلة صغيرة ثم تتسع تدريجياً، فتشبه حركة الذاكرة حين تنطلق من ومضة لتستدعي عوالم كاملة. القارئ يتنقل بين هذه الدوائر في نسيج متصل يجعله يقظاً ومشاركاً في بناء المعنى. إنه كتاب أسئلة مفتوحة تدور حول المكان واللغة وحدود المعرفة حين تلامس المخيال. يضع الأدب في تماس مع الأنثروبولوجيا ضمن أفق يسمح بالتكامل، حيث تتخفف الكتابة من أثقالها البلاغية وتتخفف المعرفة من صرامتها.
لهذا تُقرأ هذه التجربة على مهل وتظل قابلة للعودة، حيث تمتد الأسئلة ويتجدّد الإصغاء للمكان وللأسماء التي تتردد في حياتنا اليومية وهي تحمل تاريخاً طويلاً من التحول. هنا تتحول الجغرافيا عبر الأدب إلى أسطورة حية تستعاد مع كل قراءة جديدة، مما يترك أثراً دولياً في كيفية مقاربة الدراسات الثقافية للمنطقة العربية.


