في تطور لافت يعكس حجم التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، أعلنت السلطات في طهران عن تعبئة شعبية واسعة النطاق استعداداً لمواجهة الاجتياح البري المحتمل. وفي هذا السياق، صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأنه على أتم الاستعداد للتضحية بنفسه من أجل الدفاع عن الأراضي الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا الموقف يشاركه فيه ملايين المواطنين. وقد جاءت هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة تحشيداً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق، مما ينذر بتداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
تعبئة شعبية واسعة لمواجهة الاجتياح البري المحتمل
أكد التلفزيون الرسمي الإيراني، نقلاً عن تقارير وكالة “أسوشيتد برس”، أن ما يقرب من 14 مليون شخص قد تطوعوا للقتال وحمل السلاح دفاعاً عن البلاد في حال وقوع الاجتياح البري المحتمل من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد نشر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس” رسالة حازمة قال فيها: “أعلن أكثر من 14 مليون إيراني شجاع عن استعدادهم للتضحية بحياتهم من أجل الدفاع عن إيران… أنا أيضاً كنت وما زلت وسأكون مستعداً للتضحية بحياتي من أجل إيران”. تأتي هذه الأرقام الضخمة بعد تصريحات سابقة أدلى بها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قليباف في أوائل شهر أبريل الماضي، حيث أشار حينها إلى تطوع نحو 7 ملايين شخص من أصل عدد سكان البلاد البالغ حوالي 90 مليون نسمة. ولتعزيز هذه التعبئة، أطلقت وسائل الإعلام الرسمية حملات مكثفة عبر الرسائل النصية القصيرة لحث المواطنين على التطوع، كما وجهت الحكومة نداءات للجنود المتقاعدين لإبداء رغبتهم في العودة إلى صفوف القتال.
السياق التاريخي وتصاعد التوترات بين طهران وواشنطن
لا يمكن فصل هذه التطورات المتسارعة عن السياق التاريخي الطويل من العداء والتوتر بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. فمنذ عقود، تخضع المنشآت الحيوية الإيرانية، وخاصة البرنامج النووي، لرقابة وتهديدات مستمرة. وقد تصاعدت حدة الأزمة مؤخراً بعد أن منحت الإدارة الأمريكية طهران مهلة حاسمة تنتهي فجر يوم الأربعاء للتوصل إلى اتفاق شامل، مترافقة مع تهديدات صريحة بتدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور ومنشآت الطاقة الاستراتيجية في البلاد. هذا التصعيد يعيد إلى الأذهان فترات سابقة من التوتر الشديد، حيث اعتادت إيران على استخدام استراتيجيات التعبئة الجماهيرية كرسالة ردع سياسية وعسكرية ضد أي تدخل خارجي، مؤكدة تلاحم الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات الوجودية.
استراتيجية الدروع البشرية لحماية البنية التحتية
في خطوة تعكس جدية التهديدات، دعا مسؤولون إيرانيون الشباب والمواطنين إلى النزول إلى الشوارع وتشكيل “سلاسل بشرية” حول محطات توليد الكهرباء والمنشآت الحيوية. وقد وجه علي رضا رحيمي، أمين المجلس الأعلى للشباب والناشئين، رسالة مصورة بثها التلفزيون الرسمي، دعا فيها جميع فئات المجتمع من شباب، ورياضيين، وفنانين، وطلاب جامعات وأساتذة، للتجمع يوم الثلاثاء في تمام الساعة الثانية ظهراً. وأكد رحيمي أن هذه المنشآت تعد من الأصول والثروات الوطنية التي يجب حمايتها بغض النظر عن الانتماءات أو التوجهات السياسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة على طهران؛ فقد سبق لإيران أن نظمت مظاهرات على شكل سلاسل بشرية، تُعرف بـ “الدروع البشرية”، حول منشآتها النووية خلال أوقات التوتر المتصاعد مع الدول الغربية، في محاولة لمنع أي ضربات جوية أو صاروخية محتملة.
التداعيات الإقليمية والدولية للأزمة الراهنة
إن التلويح بوقوع مواجهة عسكرية مباشرة لا يقتصر تأثيره على الداخل الإيراني فحسب، بل يمتد ليشمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق. فعلى الصعيد الإقليمي، من شأن أي تصعيد عسكري أن يؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، مما قد يشعل جبهات متعددة ويؤثر على أمن الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز. أما على الصعيد الدولي، فإن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية قد يؤدي إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية، مما يرفع أسعار النفط والغاز بشكل حاد ويؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي الذي يعاني بالفعل من أزمات متتالية. لذلك، تترقب الأوساط الدبلوماسية العالمية بحذر شديد مآلات هذه المهلة الأمريكية، وسط دعوات متزايدة لضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات لتجنب انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة مدمرة.


