أطلق فاتح بيرول، رئيس الوكالة الدولية للطاقة، تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الكارثية التي يشهدها العالم حالياً، مؤكداً أن أزمة النفط والغاز المرتبطة بالتوترات والحروب في منطقة الشرق الأوسط تُعد الأسوأ في التاريخ الحديث على الإطلاق. وفي مقابلة صحفية مع صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، أوضح بيرول أن اضطرابات إمدادات الطاقة بلغت حجماً غير مسبوق، محذراً من أن الاقتصاد العالمي على وشك الدخول في نفق مظلم أطلق عليه اسم “أبريل أسود”، حيث تتفاقم التحديات بشكل متسارع يفوق ما شهده شهر مارس الماضي.
جذور أزمة النفط والغاز: مقارنة تاريخية مع صدمات السبعينيات
لفهم حجم أزمة النفط والغاز الحالية، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي لصدمات الطاقة العالمية. فقد أوضح بيرول أن الوضع الراهن يتجاوز في خطورته الأزمات المجتمعة لعام 1973 (حظر النفط العربي)، وعام 1979 (الثورة الإيرانية)، وحتى أزمة عام 2022 التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. تاريخياً، كانت تلك الأزمات تؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار ومعدلات التضخم، إلا أن الأزمة الحالية تضرب أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي في وقت يعاني فيه العالم بالفعل من هشاشة في سلاسل التوريد، مما يجعل التعافي منها أكثر تعقيداً وصعوبة.
مضيق هرمز والتداعيات الاقتصادية الشاملة
تكتسب هذه التحذيرات أهمية بالغة بالنظر إلى التأثير المتوقع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فقد حذر رئيس الوكالة الدولية للطاقة من سيناريو إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد ممراً مائياً استراتيجياً يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط تقريباً. وأشار إلى أنه في حال استمرار إغلاق المضيق طوال شهر أبريل، فإن العالم سيخسر ضعف كمية النفط الخام والمنتجات المكررة التي فُقدت في مارس. ولا يقتصر التأثير الدولي على الوقود فقط، بل يمتد ليضرب قطاعات حيوية أخرى تعتمد على هذه الممرات، مثل الأسمدة الزراعية، البتروكيماويات، وغاز الهيليوم، مما ينذر بموجة غلاء عالمية تهدد الأمن الغذائي والصناعي.
تضرر البنية التحتية وتحديات التعافي
على الصعيد الإقليمي والمحلي، كشف بيرول عن أرقام مقلقة تتعلق بالبنية التحتية للطاقة، حيث تعرضت نحو 75 منشأة حيوية للهجوم والضرر المباشر. وأكد أن أكثر من ثلث هذه المنشآت قد تضرر بشكل كبير جداً، مما يعني أن عمليات الترميم وإعادة التأهيل ستستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب استثمارات ضخمة. هذا الدمار لا يعيق فقط الإمدادات الحالية، بل يضعف القدرة الإنتاجية المستقبلية للمنطقة، مما يفرض ضغوطاً هائلة على الدول المستهلكة للبحث عن بدائل سريعة ومكلفة.
بصيص أمل: تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة
رغم قتامة المشهد والتحذيرات من “أبريل أسود”، يرى بيرول أن هناك أسباباً تدعو للتفاؤل على المدى الطويل. فكما أدت أزمات السبعينيات إلى تحسين كفاءة استهلاك الوقود والبحث عن حقول نفطية جديدة، فإن الأزمة الحالية ستكون بمثابة حافز قوي لتغيير بنية نظام الطاقة العالمي في السنوات القادمة. من المتوقع أن تؤدي هذه الضغوط إلى تسريع وتيرة الاستثمار وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة والطاقة النووية، حيث تدرك الحكومات الآن أكثر من أي وقت مضى أن أمن الطاقة القومي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقلال عن الوقود الأحفوري وممراته الجيوسياسية المعقدة.


