انطلاق فعاليات ملتقى قراءة النص بجدة
تواصلت في عروس البحر الأحمر فعاليات الدورة الثانية والعشرين من ملتقى قراءة النص بجدة، والذي ينظمه النادي الأدبي الثقافي بجدة. وقد شكلت الجلسة الثانية، التي أدارها ببراعة الأستاذ عبدالله غريب، منصة حيوية لبحث التحولات العميقة في بنية النص السعودي المعاصر. وركزت النقاشات على انتقال هذا النص من ضيق القوالب الجاهزة والتقليدية إلى رحابة التجربة الجمالية الحديثة، وهي تحولات تأتي مدعومة بمبادرات رؤية المملكة 2030 التي أعادت صياغة المشهد الثقافي والأدبي.
الجذور التاريخية للملتقى ودور النادي الأدبي
يُعد النادي الأدبي الثقافي بجدة، الذي تأسس في منتصف السبعينيات الميلادية، واحداً من أعرق المؤسسات الثقافية في المملكة العربية السعودية. ومنذ انطلاقته الأولى قبل أكثر من عقدين، شكّل هذا الملتقى السنوي تظاهرة نقدية وفكرية رائدة على مستوى الخليج والوطن العربي. لقد أسس الملتقى عبر تاريخه الطويل لتقاليد نقدية رصينة، حيث استضاف كبار النقاد والأدباء لمناقشة قضايا الأدب المحلي والعربي. وتأتي هذه الدورة لتؤكد على استمرارية هذا الإرث الثقافي، مع ربطه بالمتغيرات الحديثة التي يشهدها المجتمع السعودي، مما يجعل الملتقى جسراً يربط بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل.
قصيدة النثر والرواية: مختبرات لتجاوز القوالب التقليدية
خلال الجلسات، قدمت الدكتورة فوزية أبوخالد ورقة نقدية لافتة استعرضت فيها مسيرة «قصيدة النثر» في المشهد السعودي. ووصفت أبوخالد هذه القصيدة بأنها مختبر حقيقي لتجاوز الفجوات التاريخية والتضييق، منطلقة نحو أفق أرحب من الحرية الإبداعية. وأكدت أن المشهد الأدبي اليوم يمثل تتويجاً لتحولات تراكمية تتجه نحو التنوير والاستنهاض؛ إذ لم يعد الرهان مقتصراً على الشكل الخارجي للنص فحسب، بل على قدرته الفائقة في إعادة إنتاج الواقع بأسلوب جمالي يتجاوز التصنيفات الجيلية الضيقة.
وفي عالم السرد، اتخذ الدكتور أحمد بن سليمان اللهيب من أعمال الروائي أحمد السماري نموذجاً تطبيقياً لتحليل «تحولات الدلالة». وكشف اللهيب في ورقته كيف تحولت الرؤية في روايتي «قنطرة» و«ابنة ليليث» إلى أيقونة سردية خفية تمنح الشخصيات تجلياً خاصاً، وتدفع بالحبكة نحو آفاق جديدة تزاوج ببراعة بين ذاكرة المكان، وألم التحول، وعمق الانتماء الإنساني.
الأثر الإقليمي والدولي للتحولات الثقافية السعودية
لم تقتصر نقاشات الملتقى على البعد المحلي، بل امتدت لتشمل الأثر الإقليمي والدولي للتحولات الثقافية. فقد رصد الدكتور ياسر أحمد مرزوق ملامح التجديد في التجارب الأدبية السعودية المعاصرة، مشيراً إلى أن الحراك الاجتماعي الواسع والانفتاح العالمي الذي واكب رؤية 2030 أحدث تغييراً جوهرياً في المضمون والقضايا المطروحة. وبرزت تيمات جديدة مثل الفردانية، وصورة المدينة المعاصرة، والانعتاق من الأنماط التقليدية، مستفيداً من الفضاءات الرقمية والتمكين الثقافي المتزايد، مما يعزز من القوة الناعمة للمملكة ويضع أدبها في صدارة المشهد الثقافي العربي والعالمي.
سيميائية التفاصيل في السرد المعاصر
وعن «أدبية التفاصيل»، قدم الدكتور صالح السحيمي دراسة سيميائية عميقة حول رواية «بركات العالق في الخيال» للكاتب عبدالعزيز الصقعبي. وبين السحيمي كيف تساهم التفاصيل الدقيقة في بناء المشاهد السردية، وتعدد الهوية، وتمازج الواقع بالخيال. هذا التمازج يفتح دلالات النص على تأويلات بصرية وذهنية متعددة، تكشف بوضوح عن صراعات البطل والراوي في آن واحد، مما يعكس نضجاً في أدوات السرد السعودي.
الطائف مدينة مبدعة: تقاطع التاريخ مع طموح المستقبل
واختتمت الجلسة الثرية بورقة الدكتور سامي الثقفي التي تناولت مدينة «الطائف» كنموذج رائد للمدن المبدعة في ظل الرؤية. وسلط الثقفي الضوء على اختيار الطائف ضمن شبكة المدن المبدعة التابعة لمنظمة اليونسكو في مجال الأدب، وذلك بفضل جودة النشر والفعاليات الثقافية العريقة التي تحتضنها. واستعرض الحضور الشعري الكثيف للطائف، الذي ارتبط في الوجدان السعودي بالورد والغيم والمطر، ليرسم صورة فنية ساحرة للمكان تجمع بين التاريخ العريق والمستقبل الطموح الذي تسعى المملكة لتحقيقه.


