في فضاءٍ ثقافي تتقاطع فيه أصالة الذاكرة مع طموحات المستقبل المشرق، واصل ملتقى قراءة النص بجدة في نسخته الثانية والعشرين رحلته المعرفية الاستثنائية. لم تعد الجلسات مجرد نقاشات أدبية عابرة، بل تحولت الجلسة الرابعة، التي أدارها الأستاذ علي الزبيدي، إلى ورشة عمل فكرية عميقة تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص السعودي والتحولات الكبرى التي تعيشها المملكة العربية السعودية في ظل رؤية 2030. لقد أثبتت الأطروحات المقدمة أن الأدب لم يعد مجرد مرآة تعكس الواقع فحسب، بل أصبح شريكاً أساسياً وفاعلاً في صناعته وتشكيل ملامحه.
**media[2689679]**
جذور الإبداع: الإرث التاريخي لنادي جدة الأدبي
يُعد نادي جدة الأدبي الثقافي، الذي تأسس في عام 1975م، واحداً من أعرق المؤسسات الثقافية في المملكة العربية السعودية. ومنذ انطلاقته، أخذ النادي على عاتقه مهمة إثراء المشهد الثقافي ورعاية المبدعين. ويأتي هذا الملتقى كواحد من أبرز مخرجات النادي، حيث شكّل على مدار أكثر من عقدين منصة رائدة تجمع كبار النقاد والأدباء لمناقشة قضايا الأدب السعودي وتحولاته. هذا الإرث التاريخي الطويل منح الملتقى ثقلاً معرفياً يجعله قادراً على استيعاب المتغيرات الحديثة وربطها بالجذور الكلاسيكية للأدب العربي، مما يجعله جسراً يربط بين أجيال الرواد والشباب المبدع.
رؤية خضراء للنص الأدبي ومواكبة الاستدامة
افتتح الدكتور منصور المهوس الجلسة بوقفة تأملية عميقة أمام مفهوم «الأدب البيئي»، محذراً من الخلط الشائع بين «الوصف التقليدي للطبيعة» الذي عُرف في الأدب القديم، وبين «أدب الاستدامة» الذي تفرضه تحديات العصر. وبنظرة ثاقبة، دعا المهوس إلى انتقال المبدع السعودي من دور «الواصف» إلى دور «الشريك» الفاعل، متسائلاً بجرأة: هل استطاع أدبنا تجسير الفجوة بين المشاعر العاطفية تجاه البيئة وبين السلوك الإبداعي الحقيقي؟ وانتهى إلى رؤية طموحة تطالب بإنشاء «جمعية الأدب البيئي» لتكون المظلة التي تحول قضايا المناخ والأرض إلى نصوص خالدة تواكب مبادرة «السعودية الخضراء» التي أطلقتها القيادة الرشيدة لحماية البيئة.
**media[2689685]**
من الورق إلى الأثير: ثورة البودكاست في الأدب السعودي
وفي سياق التحولات الرقمية المتسارعة، تتبع الدكتور أحمد اليتيمي هجرة القصيدة من دفتي الكتاب المطبوع إلى فضاء «البودكاست» الرحب، متخذاً من تجربة «أسمار» نموذجاً حياً. اليتيمي لم يرَ في هذا التحول مجرد تغيير في الوسيط الناقل، بل رصد تحولاً سوسيولوجياً في «الذائقة» العامة، حيث أصبح الأدب متاحاً للجميع، تفاعلياً، وعابراً للحواجز التقليدية. هذا التطور يعكس مرونة الثقافة السعودية وقدرتها الفائقة على استيعاب أدوات العصر الرقمي وتوظيفها لخدمة الكلمة.
**media[2689682]**
المكان: من مسرح للأحداث إلى بطل الرواية
أما الدكتورة منى الغامدي، فقد منحت المكان صوته الخاص، مؤكدة أن المدن السعودية في الرواية المعاصرة لم تعد مجرد خلفيات صامتة للأحداث، بل تحولت إلى كائنات حية تعكس ملامح الهوية والانتماء. ومن استنطاق الذاكرة إلى استشراف المستقبل عبر أدب الخيال العلمي، بينت الغامدي كيف تحول المكان إلى أداة ترويج سياحي وثقافي، بل وصار بُعداً رقمياً يجسد طموحات المدن السعودية المستقبلية والمشاريع التنموية الكبرى.
**media[2689688]**
تأثير ملتقى قراءة النص بجدة على المشهد الثقافي محلياً ودولياً
لا يقتصر تأثير ملتقى قراءة النص بجدة على النطاق المحلي، بل يمتد ليصنع أثراً إقليمياً ودولياً يعزز من مكانة المملكة كمركز إشعاع ثقافي. محلياً، يساهم الملتقى في صياغة وعي مجتمعي جديد يتوافق مع مستهدفات جودة الحياة. وإقليمياً، يقدم نموذجاً يُحتذى به في كيفية دمج الأدب بقضايا التنمية المستدامة. واختتم الباحث فيصل السرحان الجلسة بقراءة عميقة في «الرواية التاريخية»، موضحاً كيف أعادت رؤية 2030 فك الارتباط التقليدي مع التاريخ بوصفه حقائق جامدة، لتحوله إلى مجال خصب لإنتاج المعنى وتقرير الهوية الوطنية.
السرحان أشار إلى أن الروائي السعودي اليوم لم يعد مجرد «ناقل» للخبر التاريخي، بل أصبح «صانعاً» للخطاب، يستثمر التقاطعات الكبرى للرؤية ليبني أعمالاً أدبية تتجاوز حدود الزمن. إنها لحظة «الاشتباك» الخلاق مع الواقع؛ حيث لم يعد المثقف السعودي يكتفي بالقراءة، بل بات يكتب مسودة المستقبل بلغة الاستدامة، وتقنيات الرقمية، وعمق التاريخ.
**media[2689680,2689687,2689684,2689683,2689690,2689678,2689686,2689681]**


