spot_img

ذات صلة

البرلمان يبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية العراقي بعد انسحاب رشيد

شهد المشهد السياسي في العراق تطوراً بارزاً اليوم السبت، حيث بدأ مجلس النواب رسمياً إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية العراقي الجديد. جاءت هذه الخطوة الحاسمة في وقت أعلن فيه الرئيس الحالي، عبد اللطيف جمال رشيد، انسحابه المفاجئ من سباق الترشح. وأفادت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، في بيان مقتضب نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، بأن رئيس المجلس، محمد الحلبوسي، أعلن رسمياً انسحاب رشيد من قائمة المرشحين، مما أدى إلى انخفاض عدد المتنافسين على المنصب إلى 16 مرشحاً بعد أن كان العدد الإجمالي يبلغ 18 مرشحاً.

السياق التاريخي والتوافقات في انتخاب رئيس الجمهورية العراقي

بالعودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث، نجد أن النظام السياسي العراقي الذي تأسس بعد عام 2003 يعتمد على مبدأ التوافقية السياسية أو ما يُعرف بـ “المحاصصة الطائفية والعرقية”. وبموجب هذا العُرف السياسي غير المكتوب، يتم تخصيص منصب رئاسة الجمهورية للمكون الكردي، بينما يذهب منصب رئيس الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان للمكون السني.

على مدى السنوات الماضية، كان منصب رئيس الجمهورية محوراً لتفاهمات وتجاذبات مستمرة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين: الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. وعادة ما كان المنصب من حصة الاتحاد الوطني، إلا أن التغيرات في موازين القوى والمطالبات المستمرة أدت إلى تصاعد التنافس بين الطرفين في كل دورة انتخابية، مما يجعل جلسات البرلمان المخصصة لهذا الغرض محط أنظار الجميع.

تفاصيل الجلسة النيابية ومواقف الكتل السياسية

عقد البرلمان العراقي جلسته السابعة عشرة ضمن الدورة الانتخابية السادسة، في السنة التشريعية الأولى والفصل التشريعي الأول، وهي الجلسة المخصصة لانتخاب الرئيس. وقد شهدت الجلسة حضور 223 نائباً، مما حقق النصاب القانوني اللازم للمضي قدماً في الإجراءات الدستورية.

في المقابل، تباينت مواقف الكتل السياسية إزاء الجلسة؛ فقد أعلنت كتلة “حقوق” النيابية مقاطعتها لجلسة الانتخاب. وأوضح عضو الكتلة، محمد جبار الحسناوي، في مؤتمر صحفي أن المقاطعة تأتي احتجاجاً على تأجيل تكليف مرشح “الإطار التنسيقي” لمنصب رئيس الوزراء في حال تم انتخاب الرئيس. من جهة أخرى، أكدت خمس كتل نيابية حضورها الفاعل، وهي: كتلة الإعمار والتنمية، قوى الدولة الوطنية، صادقون، بابليون، وتقدم، مما يعكس رغبة هذه الأطراف في إنهاء حالة الانسداد السياسي.

التنافس الكردي المستمر على قصر السلام

على الرغم من أن العُرف السياسي يمنح منصب الرئاسة للمكون الكردي، إلا أن الانقسام لا يزال قائماً وبقوة بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. يتمسك كل طرف بمرشحه، مما يعني دخول الجلسة بمرشحين مختلفين دون التوصل إلى اتفاق مسبق. ويتنافس حالياً 16 مرشحاً على المنصب، من أبرزهم فؤاد حسين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، ونزار آميدي مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، مما يزيد من حدة الترقب لنتائج التصويت السري تحت قبة البرلمان.

الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للحدث

يحمل هذا الحدث أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يُعد انتخاب الرئيس مفتاحاً لإنهاء الأزمات السياسية المتراكمة وتشكيل حكومة جديدة قادرة على تلبية طموحات الشارع العراقي وإقرار الموازنات العامة. إقليمياً ودولياً، ينظر المجتمع الدولي إلى استقرار المؤسسات الدستورية في العراق كعامل أساسي لضمان أمن منطقة الشرق الأوسط، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية مع بغداد.

من الناحية الدستورية، وبمجرد حسم التصويت وأداء الرئيس الجديد لليمين الدستورية، ستكون أمامه مهلة زمنية حاسمة تبلغ 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك استناداً إلى أحكام المادة 76 من الدستور العراقي. وبعد التكليف، يتعين على رئيس الوزراء المكلف تقديم تشكيلته الوزارية وبرنامجه الحكومي إلى البرلمان لنيل الثقة خلال مدة أقصاها 30 يوماً، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في مسار العملية السياسية العراقية.

spot_imgspot_img