في مشهد يجسد تلاحم المؤسسات الدينية والأكاديمية لخدمة الفكر الإسلامي، شهدت العاصمة السعودية الرياض ولادة مشروع تقني ومعرفي رائد. حيث دشنت رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، بالشراكة الاستراتيجية مع الجامعة السعودية الإلكترونية، منصة الحرمين لعلوم الوحيين، بالتزامن مع إطلاق برنامج «الزمالة الوطنية للتوعية الفكرية». هذا التعاون المثمر، الذي حظي بحضور معالي رئيس الشؤون الدينية الدكتور عبدالرحمن السديس ورئيس الجامعة الدكتور محمد مرضي، يمثل نقلة نوعية في تطويع التقنية الحديثة لحماية العقول ونشر قيم الاعتدال.
السياق التاريخي لخدمة الحرمين والتحول الرقمي
تاريخياً، اضطلعت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها بدور محوري في خدمة الإسلام والمسلمين، حاملة على عاتقها أمانة رعاية الحرمين الشريفين ونشر رسالتهما الوسطية إلى العالم أجمع. ومع التطور المتسارع الذي يشهده العالم، وانطلاقاً من مستهدفات رؤية المملكة 2030، أصبح التحول الرقمي ركيزة أساسية في كافة القطاعات، بما فيها القطاع الديني. ويأتي تأسيس رئاسة الشؤون الدينية كخطوة استراتيجية لتعزيز الجانب الروحي والعلمي، لتتوج هذه الجهود اليوم بدمج الأصالة الشرعية مع الابتكار التقني للوصول إلى شريحة أوسع من المسلمين في مختلف القارات.
أهداف منصة الحرمين لعلوم الوحيين في العصر الرقمي
تعد منصة الحرمين لعلوم الوحيين بوابة رقمية عالمية متطورة، تسعى لتقديم محتوى شرعي موثوق يرتكز بشكل أساسي على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وتستهدف المنصة، عبر التعاون مع «شركة حلول»، الوصول إلى مئة ألف مستفيد من الناطقين بغير اللغة العربية في مرحلتها الأولى. إنها محاولة جادة ومدروسة لرقمنة الخطاب الديني وتقديمه بأساليب حديثة تواكب التحول الوطني الشامل، مما يسهل وصول المسلمين في شتى بقاع الأرض إلى المعرفة الشرعية الصافية، بعيداً عن الشبهات والتأويلات الخاطئة.
الزمالة الوطنية للتوعية الفكرية: بناء حصون العقل
إلى جانب المنصة، تبرز «الزمالة الوطنية للتوعية الفكرية» كذراع تأهيلي وعلمي لهذا المشروع الاستراتيجي. تهدف هذه الزمالة إلى إعداد وتدريب مختصين يمتلكون الأدوات العلمية والمنهجية الدقيقة لتحليل الخطابات الفكرية وتفكيك المفاهيم المنحرفة. يركز البرنامج بشكل مكثف على بناء كوادر وطنية مؤهلة، قادرة على تصميم مبادرات مجتمعية ذات أثر مستدام وقابل للقياس، مما يساهم بفعالية في ترسيخ الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي، والذي يعد خط الدفاع الأول ضد تيارات الغلو والتطرف.
التأثير المتوقع للمشروع محلياً ودولياً
يحمل هذا الإطلاق أهمية بالغة وتأثيراً عميقاً يمتد من النطاق المحلي إلى الفضاء الدولي. فعلى الصعيد المحلي، يعزز المشروع من تلاحم المجتمع السعودي ويحصن شبابه ضد الأفكار الهدامة، متماشياً مع الرؤية الوطنية في بناء مجتمع حيوي يعتز بهويته. أما إقليمياً ودولياً، فإن تصدير الخطاب الديني المعتدل عبر قنوات رقمية موثوقة يسهم في تصحيح صورة الإسلام، ومواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، وتقديم النموذج السعودي الرائد في التسامح والتعايش السلمي.
وفي ختام حفل التدشين، أكد الشيخ السديس أن هذا التكامل المؤسسي يعكس عناية القيادة الرشيدة بالتأصيل العلمي، ويؤكد ريادة المملكة في خدمة الحرمين الشريفين. وشدد على أن الجمع بين الأصالة الشرعية والتقدم التقني هو السبيل الأمثل لبناء جيل واعٍ ومتوازن، قادر على مواجهة تحديات العصر بكرامة وفكر مستنير.


