برعاية كريمة من الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، انطلقت في العاصمة السعودية أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، والذي تنظمه وزارة الثقافة في مركز الملك فهد الثقافي بمدينة الرياض. شهد حفل الافتتاح الذي أقيم يوم الأربعاء 15 أبريل حضوراً رفيع المستوى لعدد من أصحاب السمو الأمراء، يتقدمهم الأمير تركي الفيصل، والأمير بندر بن خالد بن فيصل، ونخبة من القيادات الثقافية والاجتماعية البارزة، من بينهم نائب وزير الثقافة حامد بن محمد فايز، والرئيس التنفيذي لمؤسسة محمد بن سلمان “مسك الخيرية” الدكتور بدر بن حمود البدر. يمثل هذا الحدث خطوة استراتيجية هامة نحو مأسسة العمل الثقافي وتطويره في المملكة.
جذور النهضة: التحول الثقافي في المملكة ورؤية 2030
لم يأتِ تنظيم هذا الحدث الاستثنائي من فراغ، بل هو امتداد طبيعي للتحولات الجذرية التي تشهدها المملكة العربية السعودية منذ إطلاق رؤية 2030. تاريخياً، كان العمل الثقافي يعتمد بشكل كبير على المبادرات الفردية أو المؤسسات الحكومية البحتة، ولكن مع تأسيس وزارة الثقافة وإطلاق استراتيجيتها الوطنية، برزت الحاجة الملحة لتفعيل دور “القطاع الثالث”. وقد أثمرت هذه الجهود عن إطلاق مبادرة تأسيس الجمعيات المهنية في عام 2021، والتي نجحت في تأسيس 16 جمعية مهنية متخصصة، إلى جانب مواءمة الكيانات المنتقلة من وزارة الإعلام، مما مهد الطريق لخلق بيئة مؤسسية حاضنة للإبداع، تسهم في تحويل الثقافة من مجرد هواية إلى قطاع اقتصادي واجتماعي مستدام.
فعاليات وجلسات ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي
على مدار يومين متتاليين، يزخر ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ببرنامج مكثف يضم ثماني جلسات حوارية رئيسية في يومه الأول، بمشاركة خبراء ومختصين محليين ودوليين. تناولت هذه الجلسات محاور استراتيجية تركز على الواقع الراهن للقطاع، ودور المسؤولية الاجتماعية ونماذج التعاونيات الثقافية. كما يتضمن الملتقى مبادرات تفاعلية مبتكرة مثل “مختبر المعرفة” الذي يقدم ورش عمل تطبيقية في الحوكمة والاستدامة وقياس الأثر، و”منصة الإلهام” لاستعراض التجارب الناجحة، بالإضافة إلى “بوابة التمكين” التي ترشد المنظمات لآليات الاستفادة من برامج الدعم المتاحة، وبرنامج “الدعم مقابل الأداء” الذي يحفز المنظمات مالياً بناءً على مخرجاتها.
الأثر المستدام: بناء القوة الناعمة وتعزيز الشراكات
تتجاوز أهمية هذا التجمع الثقافي الحدود المحلية لتصنع تأثيراً إقليمياً ودولياً ملموساً. على الصعيد المحلي، يسهم الملتقى في تمكين المنظمات غير الربحية من خلق فرص عمل جديدة، وتوطين المعرفة، وسد الفجوات في سلسلة القيمة الثقافية. أما إقليمياً ودولياً، فإن تعزيز قوة القطاع الثقافي السعودي يرسخ مكانة المملكة كمركز إشعاع حضاري في الشرق الأوسط، ويعزز من قوتها الناعمة على الساحة العالمية عبر إبراز المستقبل الإنساني المشترك. وقد تجلى هذا التوجه من خلال توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستراتيجية خلال الملتقى بين جهات حكومية ومنظمات غير ربحية، مما يضمن بناء شراكات مستدامة تعظم الأثر المجتمعي والاقتصادي.
تطلعات مستقبلية واعدة
تهدف وزارة الثقافة من خلال هذه الجهود المتكاملة إلى رفع مستوى الوعي بأهمية الخدمات التي يقدمها القطاع الثالث، وتشجيع الأفراد والمانحين على الاستثمار في المشاريع الثقافية. إن دعم الجاهزية المؤسسية والمالية لهذه المنظمات لا يعد مجرد هدف مرحلي، بل هو استثمار طويل الأمد في هوية المجتمع السعودي وتراثه، مما يضمن استمرار تدفق الإبداع وتطوره بما يواكب أفضل الممارسات العالمية، ويحقق مستهدفات التنمية المستدامة الشاملة.


