spot_img

ذات صلة

6 تحديات تواجه موثوقية الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي

أكد المستشار الإعلامي الدكتور إبراهيم المهنا في تصريحات حديثة لصحيفة «عكاظ»، أن التعامل مع التحولات التقنية المتسارعة في القطاع الصحفي يجب أن يتم بوعي وتدرج، بعيداً عن الاندفاع غير المدروس. ويأتي هذا التصريح في وقت يشهد فيه العالم ثورة رقمية غير مسبوقة، حيث أصبح مستقبل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً للنقاشات العالمية. وأشار المهنا إلى أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مقاومة التغيير التكنولوجي، بل في كيفية توجيهه لخدمة جودة المحتوى، مع الحفاظ على القيم المهنية والأخلاقية التي بنيت عليها الصحافة.

التطور التاريخي للصحافة: من المطبعة إلى المنصات الرقمية

ارتبط الإعلام بالتقنية والتكنولوجيا على مر التاريخ ارتباطاً وثيقاً يعكس طبيعة التطور الإنساني ذاته. فمنذ اختراع يوهانس غوتنبرغ للمطبعة ذات الحروف المتحركة في منتصف القرن الخامس عشر، شهد العالم نقلة نوعية في نشر المعرفة، مما أدى إلى انتشار الكتب وازدهار الصحافة المقروءة. تاريخياً، كل وسيلة تقنية أو فكرية جديدة لم تلغِ ما سبقها، بل أضافت إليها وطورتها. فعند ظهور الراديو وانتشاره قبل أكثر من قرن، ساد الاعتقاد بأن الصحافة الورقية ستندثر، إلا أن ذلك لم يحدث. وعندما ظهر التلفزيون بعد عقود، توقع البعض نهاية الراديو، وهو ما لم يتحقق أيضاً. واليوم، تتجدد هذه المخاوف بشأن مستقبل الصحافة والكتب الورقية مع بروز الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن التجربة التاريخية تثبت قدرة وسائل الإعلام على التكيف وإعادة تشكيل نفسها ضمن منظومة أكثر تعقيداً وتكاملاً.

أبرز تحديات الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي

حدد الدكتور إبراهيم المهنا ستة تحديات جوهرية تواجه المؤسسات الصحفية اليوم. أولاً، تزايد صعوبة التمييز بين الحقيقة والمحتوى المزور في ظل تطور تقنيات التوليد الاصطناعي، مثل مقاطع الفيديو والصور المفبركة (التزييف العميق)، مما يهدد مصداقية المعلومات بشكل مباشر. ثانياً، الميل المتزايد لدى الجمهور للاكتفاء بالمحتوى السريع والمختصر على حساب التحليل العميق والمعالجة الشاملة، مما يؤدي إلى تسطيح القضايا وإضعاف الفهم العام. ثالثاً، تراجع الاهتمام بالصحافة الاستقصائية التي تتطلب وقتاً وجهداً وموارد مالية كبيرة، رغم أهميتها البالغة في كشف الحقائق وتعزيز الشفافية في المجتمعات.

رابعاً، حذر المهنا من غياب أو ضعف الأطر التشريعية والتنظيمية التي تضبط استخدام التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية، مما يفتح الباب واسعاً أمام سوء الاستخدام. خامساً، لوحظ تراجع ملحوظ في مستوى الكتابة الإعلامية الإبداعية؛ إذ يفتقر المحتوى المولد آلياً، رغم قدراته الفائقة، إلى الروح والأسلوب الشخصي الذي يميز الكاتب المبدع ويمنح النص عمقه الإنساني. سادساً وأخيراً، تبرز إشكالية معقدة تتعلق بملكية المحتوى وحقوق النشر، حيث يصبح من الصعب تحديد مصدر الإنتاج الفكري وحدود استخدامه بشكل قانوني. كما حذر من تأثير الخوارزميات في تشكيل الرأي العام عبر توجيه المحتوى وفق اهتمامات المستخدمين، مما يخلق «فقاعات معرفية» تحد من التنوع الفكري.

التأثير الإقليمي والدولي للتحولات التقنية على المؤسسات الإعلامية

إن أهمية هذا التحول لا تقتصر على النطاق المحلي، بل تمتد لتشمل المشهد الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد العالمي، استطاعت مؤسسات إعلامية عريقة، مثل صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية و«فايننشال تايمز» البريطانية، أن تتكيف مع هذه التحولات وتتوسع بشكل ملحوظ لتصبح منصات إعلامية متكاملة. فقد جمعت هذه المؤسسات بين النسخ الورقية والمنصات الرقمية، وحققت حضوراً قوياً على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنتاج برامج مرئية ومسموعة وإطلاق البودكاست. هذا التكيف يعكس قدرة الكيانات الكبرى على استغلال التكنولوجيا لتعزيز انتشارها بدلاً من الاندثار. إقليمياً، تسعى المؤسسات الصحفية العربية إلى مواكبة هذا التطور عبر دمج التقنيات الحديثة في غرف الأخبار، مما يساهم في تسريع انتشار المعلومات والأفكار، ويتيح المجال أمام الأفراد لبناء منصات مستقلة تعزز من التعددية وتقلل من احتكار المؤسسات التقليدية للمشهد.

وينطبق الأمر ذاته على صناعة النشر؛ إذ لا تزال الكتب الورقية تحتفظ بحضورها القوي ومكانتها لدى القراء، رغم الانتشار الواسع للكتب الإلكترونية والسمعية. وتؤكد الإحصائيات العالمية أن العديد من الإصدارات لا تزال تحقق نسب مبيعات مرتفعة في نسخها الورقية، مما يدل على استمرار الطلب عليها. في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الصحفيين والمؤسسات على استثمار هذه الأدوات بمسؤولية، لضمان تقديم رسالة إعلامية هادفة وموثوقة تواكب العصر وتحترم عقل المتلقي.

spot_imgspot_img