تتجه الأنظار مجدداً نحو مسار مفاوضات واشنطن وطهران غير المباشرة، حيث تلعب إسلام آباد دوراً محورياً في نقل الرسائل الدبلوماسية الحساسة. وفي تطور لافت، أكدت وسائل إعلام إيرانية عقد لقاء هام في العاصمة طهران جمع بين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قليباف وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير. يأتي هذا اللقاء في وقت حرج تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط توترات غير مسبوقة، مما يجعل الربط بين الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الوضع في لبنان والملف النووي، أمراً بالغ الأهمية.
تفاصيل الوساطة الباكستانية في مفاوضات واشنطن وطهران
أوضحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الباكستانية أنه لم يتم حتى الآن تحديد مواعيد رسمية لجولة جديدة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، أكدت أن القضايا النووية تتصدر قائمة الملفات التي تتم مناقشتها. وفي سياق متصل، كشفت صحيفة “داون” الباكستانية أن قائد الجيش الباكستاني حمل رسالة أمريكية إلى طهران تتعلق بمستجدات وقف إطلاق النار في لبنان، وذلك ضمن الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة. وأشارت الصحيفة إلى أن القيادة الإيرانية كانت تترقب إعلاناً إسرائيلياً بشأن وقف العمليات العسكرية في لبنان قبل الرد النهائي على مضمون الرسالة الأمريكية التي نقلتها إسلام آباد.
الجذور التاريخية للتوترات والبحث عن استقرار إقليمي
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية، وتحديداً منذ انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018. منذ ذلك الحين، اعتمد البلدان على وسطاء إقليميين ودوليين لإدارة التوترات ومنع التصعيد الشامل. تاريخياً، لعبت دول مثل سلطنة عُمان وقطر، والآن باكستان بحكم جوارها الجغرافي وعلاقاتها الاستراتيجية، دور القناة الخلفية لتمرير الرسائل. هذا المسار الدبلوماسي المعقد يعكس رغبة متبادلة في تجنب الصدام العسكري المباشر، مع محاولة كل طرف تحسين شروط التفاوض، خاصة فيما يتعلق بنسب تخصيب اليورانيوم والقيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني وتأثير ذلك على أمن المنطقة.
لبنان كأولوية قصوى: تقاطع الملفات وتأثيرها المتوقع
تبرز الساحة اللبنانية كعنصر حاسم في المعادلة الحالية. فقد شدد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني محمد باقر قليباف، على ضرورة أن يشمل أي تفاهم وقفاً شاملاً لإطلاق النار في لبنان قبل التطرق إلى أي ملفات أخرى. ووفقاً للوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، بحث الجانبان التطورات الميدانية المتوترة في الجنوب اللبناني. إن ربط الملف النووي بوقف إطلاق النار في لبنان يحمل دلالات عميقة وتأثيرات واسعة النطاق. محلياً، يمنح لبنان فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي. وإقليمياً، يساهم في خفض حدة التوتر بين المحور الذي تقوده إيران وإسرائيل، مما يقلل من احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه الجهود سيضمن أمن الملاحة وتدفق إمدادات الطاقة، ويعزز من فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد يحد من سباق التسلح في الشرق الأوسط.
عقبات نووية وتفاؤل أمريكي حذر
رغم التحركات الدبلوماسية المكثفة، لا تزال هناك عقبات جوهرية. فقد صرح مسؤول إيراني رفيع المستوى بأن زيارة قائد الجيش الباكستاني ساهمت بالفعل في تقليص بعض الخلافات، لكن القضايا الأساسية المتعلقة بالملف النووي لا تزال قائمة دون حسم. وتتركز هذه الخلافات حول مصير مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، بالإضافة إلى الإطار الزمني للقيود النووية المفروضة على طهران. وأعرب المسؤول عن أمله في أن تؤدي هذه التحركات إلى تمديد وقف إطلاق النار وعقد جولة ثانية من المحادثات. في المقابل، تبدي الإدارة الأمريكية تفاؤلاً حذراً، حيث أكد البيت الأبيض أن المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال “مستمرة ومثمرة”، مع وجود توقعات متزايدة بعقد الجولة القادمة من هذه المحادثات الحساسة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.


