أصدرت الدائرة التاسعة في المحكمة التجارية بالعاصمة السعودية الرياض حكماً قضائياً يفتح باباً جديداً في مسيرة واحدة من أبرز الشركات الناشئة، حيث تم الإعلان رسمياً عن بدء إجراءات إعادة التنظيم المالي لشركة المتاجر المركزية لتقنية المعلومات، وهو ما عُرف إعلامياً بخبر إفلاس تطبيق نعناع. وقد أعلن أمين الإفلاس، ماجد النمر، عن هذا القرار الذي يمثل نقطة تحول جوهرية للشركة التي تعمل كشركة شخص واحد، وذلك استناداً إلى ما تداولته المنصات والمواقع الإخبارية الاقتصادية مؤخراً.
وبموجب هذا الإعلان القانوني، وجهت المحكمة التجارية دعوة رسمية لجميع الدائنين والجهات ذات العلاقة لتقديم مطالباتهم المالية. وقد حُددت مهلة قانونية لا تتجاوز 90 يوماً تبدأ من تاريخ نشر الإعلان، وذلك لضمان حقوق جميع الأطراف ضمن مسار إجراءات إعادة التنظيم المالي التي تتم وفقاً لنظام الإفلاس السعودي والأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية، والتي تهدف إلى مساعدة الشركات المتعثرة على تصحيح أوضاعها المالية متى ما كان ذلك ممكناً.
رحلة الصعود قبل إعلان إفلاس تطبيق نعناع
يُعد تطبيق “نعناع” واحداً من أوائل وأشهر تطبيقات توصيل المقاضي والبقالة في المملكة العربية السعودية. تأسس التطبيق في عام 2016، في وقت كانت فيه التجارة الإلكترونية وتطبيقات التوصيل تخطو خطواتها الأولى في السوق السعودي. ومع مرور السنوات، وتحديداً خلال جائحة كورونا (كوفيد-19) في عام 2020، شهد قطاع توصيل الطلبات طفرة غير مسبوقة، مما ساهم في تسريع وتيرة نمو التطبيق واعتماد شريحة واسعة من المستهلكين عليه لتلبية احتياجاتهم اليومية من السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية. استطاعت الشركة حينها جذب استثمارات ضخمة وجولات تمويلية بملايين الدولارات من مستثمرين محليين وإقليميين، مما جعلها قصة نجاح ملهمة في بيئة ريادة الأعمال السعودية.
طموحات مالية وتوقعات لم تتحقق
قبل الوصول إلى هذه المرحلة الحرجة، كانت التوقعات المالية للشركة تتسم بتفاؤل كبير. وبحسب نشرة إصدار سابقة لصندوق “عوائد”، كان من المتوقع أن تحقق الشركة معدلات نمو سنوية مركبة تصل إلى 35%. ولم تتوقف الطموحات عند هذا الحد، بل أشارت التقديرات إلى إمكانية تجاوز إيرادات الشركة حاجز الـ 3 مليارات ريال سعودي بحلول عام 2026. كما كانت الخطط الاستراتيجية تستهدف الوصول إلى نقطة التعادل المالي (حيث تتساوى الإيرادات مع المصروفات) بحلول عام 2025. إلا أن التحديات التشغيلية، وارتفاع تكاليف الاستحواذ على العملاء، والمنافسة الشرسة في قطاع التوصيل السريع، حالت دون تحقيق هذه الأرقام الطموحة.
انعكاسات إعادة التنظيم المالي على قطاع الشركات الناشئة
يحمل هذا الحدث دلالات هامة تتجاوز حدود الشركة نفسها لتشمل منظومة الشركات الناشئة وقطاع التجارة الإلكترونية في المملكة والمنطقة ككل. إن لجوء الشركات التقنية إلى نظام الإفلاس وإجراءات إعادة التنظيم المالي يعكس نضجاً في البيئة التشريعية السعودية، حيث يوفر النظام مظلة قانونية تحمي الدائنين وتمنح الشركات فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة هيكلة ديونها بدلاً من التصفية الفورية. من جهة أخرى، يوجه هذا الحدث رسالة واضحة للمستثمرين ورواد الأعمال حول أهمية استدامة نماذج العمل، وضرورة التركيز على الربحية وإدارة التدفقات النقدية بكفاءة، بدلاً من الاعتماد الحصري على النمو السريع وحرق الأموال لكسب الحصة السوقية في أسواق شديدة التنافسية.


