أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في تصريحات حديثة أن مسار المفاوضات مع إسرائيل لم يصل إلى طريق مسدود، رغم العقبات الكبيرة التي تعترض هذا المسار. وأوضح الشرع خلال مقابلة مع وكالة «الأناضول» التركية الرسمية للأنباء، على هامش مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، أن المحادثات تجري بصعوبة بالغة نتيجة الإصرار الإسرائيلي على التواجد العسكري داخل الأراضي السورية. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تسعى فيه دمشق إلى إرساء الاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع الداخلي.
جذور الصراع واتفاقيات فك الاشتباك التاريخية
لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي يحكم الترتيبات الأمنية بين الطرفين. تعود جذور هذه الترتيبات إلى اتفاقية فك الاشتباك الموقعة في عام 1974، والتي جاءت في أعقاب حرب أكتوبر 1973. نصت تلك الاتفاقية في حينها على انسحاب القوات الإسرائيلية من أجزاء من هضبة الجولان، وإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تخضع لإشراف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (أندوف). واليوم، كشف الشرع أن القيادة السورية تبحث إما إحياء هذا المسار والعمل باتفاق فك الاشتباك القديم، أو صياغة اتفاق أمني جديد يضمن انسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1974، مع وضع قواعد صارمة تضمن أمن كلا الطرفين.
تحديات المفاوضات مع إسرائيل ومسألة الجولان المحتل
تواجه المفاوضات مع إسرائيل عقبات جوهرية، أبرزها التواجد الإسرائيلي المستجد على الأراضي السورية المحاذية للجولان والاعتداءات المتكررة على المواقع السورية. وقد شدد الرئيس السوري على أن أي اعتراف دولي بضم إسرائيل لهضبة الجولان سيكون باطلاً. ومن المعروف تاريخياً أن إسرائيل أعلنت ضم الجولان رسمياً في عام 1981، وهو قرار لم يعترف به المجتمع الدولي واعتبره انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن. وأشار الشرع إلى أنه في حال التوصل إلى اتفاق أمني مبدئي، فإن دمشق مستعدة للانخراط في مفاوضات طويلة الأمد لحل قضية الجولان المحتل بشكل جذري عبر الطرق الدبلوماسية.
التأثير الإقليمي والدولي للتوجه الدبلوماسي السوري
يحمل هذا التحول نحو الدبلوماسية تأثيراً بالغاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تحتاج سوريا بعد 14 عاماً من الصراع الدامي والاستنزاف إلى بيئة مستقرة تتيح البدء في عمليات التنمية وإعادة الإعمار. إقليمياً، تلعب دمشق دوراً حاسماً في منع انزلاق المنطقة نحو صراعات أوسع، حيث أوضح الشرع أن بلاده نأت بنفسها عن المواجهات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لتجنب انعكاساتها الكارثية، مشيراً إلى أن سوريا تعرضت لاعتداءات إيرانية في المرحلة السابقة بسبب دعم طهران للنظام السابق.
أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح دمشق في تحييد أراضيها يبعث برسائل طمأنة للمجتمع الدولي. وتهدف الإدارة السورية الحالية إلى تحويل البلاد من «صندوق بريد للنزاعات» إلى فرصة عظيمة للاستثمار المستدام، وبناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، روسيا، الصين، والدول الأوروبية. هذا التوجه الاستراتيجي يعيد تموضع سوريا كعنصر استقرار إقليمي ودولي، ويضع حداً لمحاولات استخدام أراضيها كمنصة لزعزعة أمن الشرق الأوسط.


